نية النظام الإيراني الجوهرية الاعتداء على جيرانه العرب.

الإثنين 20/يوليو/2026 – 07:08 م 7/20/2026 7:08:23 PM .

يتصاعد في الشهور الأخيرة سؤال جوهري حول طبيعة سلوك النظام الإيراني في المنطقة: لماذا يلجأ إلى مهاجمة الجوار وإثارة التوترات بدل التوجه نحو حلول دبلوماسية واستثمار الفرص لبناء سلام واستقرار حقيقي؟ كثيرون يرون أن هذا السلوك ليس تعبيرًا عن قوة، بل عن ضعف بنيوي وعجز عن مواجهة القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، فيلجأ النظام إلى استعراض محدود ضد دول الجوار ليعوّض عجزه الاستراتيجي.

يدرك النظام الإيراني أنه لا يستطيع الدخول في مواجهة مفتوحة ومباشرة مع الولايات المتحدة عسكريًا أو اقتصاديًا، لذلك يعتمد خطابًا عالي النبرة من جهة، وتحركات ميدانية محدودة من جهة أخرى، غالبًا عبر هجمات صغيرة أو عمليات رمزية لا تُغيّر موازين القوى فعليًا. معظم هذه التهديدات ثبت أنها أقرب إلى الاستهلاك الإعلامي منها إلى استراتيجيات حقيقية، فهي لا تؤدي إلا إلى زيادة العزلة على إيران وتعميق الشكوك الإقليمية تجاه نواياها.

الهجمات المتفرقة أو التحرشات الأمنية ضد دول الجوار تبدو في كثير من الأحيان محاولة لصناعة صورة قوة أمام الداخل الإيراني، أكثر من كونها مشروعًا حقيقيًا لبناء نفوذ مستقر. النظام بحاجة دائمًا إلى عدو خارجي كي يبرر استمرار القبضة الأمنية والضغط الداخلي، ومن ثم فإن خلق توتر دائم في الإقليم يصبح أداة سياسية وسلوكية، لا مجرد خيار تكتيكي. لكن المشكلة أن هذه السياسة تُبقي المنطقة بأكملها رهينة حسابات ضيقة، وتُهدد مصالح شعوب لا علاقة لها بصراعات الأجهزة والقيادات.

في الوقت نفسه، يبدو أن النظام الإيراني لا يفكر جديًا في مستقبل المنطقة ولا في مستقبل شعبه ضمن بيئة إقليمية آمنة. فبدل أن ينخرط بجدية في مسارات السلام والحوار، أو يحرص على إنجاح أي مفاوضات أو تفاهمات، غالبًا ما يتم إفشال هذه الفرص أو إضعافها عبر رسائل ميدانية وتصعيدية. وكأن السلام يُنظر إليه بوصفه تهديدًا لمنطق الحكم القائم على الأزمة الدائمة، لا بوصفه فرصة لالتقاط الأنفاس وإعادة بناء الداخل.

هذا السلوك يرسل رسالة سلبية إلى المجتمع الدولي وإلى الشعوب المجاورة: أن النظام غير معني فعليًا باتفاقيات طويلة الأمد، وأنه يفضّل البقاء في منطقة الرمادية بين اللاسلم واللاحرب. النتيجة أن الثقة في أي تعهد أو معاهدة تصبح ضعيفة، والدول المحيطة تستمر في بناء سياساتها على أساس الحذر والاستعداد للأسوأ، بدل الدخول في مشاريع تعاون عميقة أو تكامل اقتصادي أو ترتيبات أمنية مشتركة.

اللافت أن الخاسر الأكبر من هذه المعادلة ليس فقط دول الجوار، بل الشعب الإيراني نفسه. فكل جولة توتر جديدة تعني عقوبات إضافية، واستثمارات ضائعة، وفرص عمل مهدورة، وعزلة مالية وتقنية. بينما تستثمر دول أخرى في التعليم والتكنولوجيا والاقتصاد، تُستهلك طاقة إيران في إدارة أزمات مفتوحة لا نهاية واضحة لها. ومن المؤلم أن بلدًا يمتلك هذا الحجم من الإمكانات الاقتصادية والبشرية يظل محاصرًا بخيارات لا تنفع المواطن ولا تحمي مستقبله.

من الواضح أن نظامًا يفكر بمنطق اللحظة والرد الفوري ولا يضع في حسابه مستقبل الأجيال القادمة ولا استقرار المنطقة لن يكون قادرًا على إنتاج مشروع سلام حقيقي. فالسلام يحتاج إلى رؤية طويلة الأمد واعتراف متبادل بالمصالح واستعداد للتنازل عن أدوات الفوضى والتهديد المستمر. أما الإصرار على سياسة الهجمات الصغيرة والتهديدات اللفظية فهو وصفة أكيدة لإدامة الانهيار الاقتصادي والعزلة السياسية.

في النهاية السؤال ليس فقط: ماذا ستفعل الدول الأخرى أمام هذا السلوك؟ بل: إلى متى سيبقى الشعب الإيراني أسير نظام يفضّل الصراع على البناء ويختار التصعيد على الإصلاح ويستخدم التوتر مع الجوار ستارًا يغطي به أزماته الداخلية؟ المنطقة تحتاج إلى إيران مستقرة ومسؤولة لا إيران غاضبة ومتهورة. والشعب الإيراني يستحق نظامًا يرى أبعد من المعركة القادمة ويضع في اعتباره أن الأمن الحقيقي يبدأ من احترام كرامة الناس وحقهم في السلام والتنمية لا من استعراض القوة في سماء الآخرين وعلى حدودهم.