لا تحتاج إلى معرفة أسماء كل من عاشوا في قصر عائشة فهمي لتشعر بأن المكان كان يومًا بيتًا حقيقيًا. يكفي أن تنظر إلى غرفة، أو ترفع رأسك نحو السقف، أو تقترب من باب، لتكتشف أن التفاصيل الصغيرة قد تكون أصدق من كتب التاريخ.

يمكنك دخول قصر تاريخي والخروج منه دون أن تتذكر سوى اسمه، لكن هناك أماكن تجبرك على التوقف والتأمل. قصر عائشة فهمي هو أحد هذه الأماكن، حيث يدفعك شيء ما للنظر إلى التفاصيل: زخرفة على الجدار، باب بتصميم فريد، نافذة تطل على النيل، وغرفة تحمل طابعًا يميزها عن الغرف المجاورة.

لا تبدأ من الواجهة

إذا كنت ترغب في معرفة قيمة القصر، فلا تبدأ بالصورة الواسعة بل ابدأ من تفاصيله.

القصر الذي شُيد في الزمالك عام 1907 على يد علي باشا فهمي وصممه المهندس الإيطالي أنطونيو لاشاك لم يكن مجرد مساحة للسكن. بل كان مشروعًا معماريًا يعكس ذوقًا وطبقة اجتماعية ومرحلة تاريخية كاملة. لذلك، تصبح كل تفصيلة بداخله وثيقة تاريخية.

الجدار ليس مجرد جدار، والباب ليس مجرد باب، والنافذة ليست مجرد نافذة.

كل عنصر يعبر عن أصحاب المكان وعن الزمن الذي عاشوا فيه.

الغرفة اليابانية

من أكثر التفاصيل لفتًا للانتباه في القصر هي الغرفة اليابانية.

تذكر الهيئة العامة للاستعلامات أن الغرفة صممت لعائشة فهمي وتحمل على جدرانها كلمات وصور ذات طابع ياباني، بالإضافة إلى تمثالين مطليين باللون الذهبي.

وهنا تصبح الصورة أهم من الوصف. فعندما تقف داخل غرفة كهذه، فإنك لا ترى “ديكورًا يابانيًا” فحسب بل ترى كيف كان العالم يدخل إلى بيت مصري ينتمي للطبقة الأرستقراطية في بدايات القرن العشرين. رحلات وأذواق وهدايا وتأثر بثقافات بعيدة.

غرفة واحدة قادرة على فتح سؤال: إلى أي مدى كان أصحاب القصر على اتصال بالعالم الخارجي؟

غرفة الملابس: حين يصبح الشيء العادي وثيقة

هناك أيضًا غرفة الملابس الخاصة بعائشة. قد تبدو في البداية تفصيلة عادية.

لكنها ليست كذلك. لأن غرفة الملابس تعبر عن شيء لا تقوله القاعات الرسمية.

القاعات تستقبل الضيوف بينما غرفة الملابس تعكس شيئًا عن صاحب البيت نفسه وعاداته وشكل حياته والمساحة المخصصة للأشياء الشخصية.

هنا يمكن للصورة الصحفية أن تفعل شيئًا لا يفعله النص وحده. لقطة قريبة لتفصيلة في الغرفة يمكن أن تجعل القارئ يتخيل الشخص الذي كان يستخدمها منذ أكثر من قرن.

الحمام الذي يحكي عن الرفاهية

حتى الحمام داخل القصر يحمل قصة. هناك أقوال متداولة عن وجود سخان يعمل بالغاز رغم صعوبة إدخال مثل هذه التجهيزات في ذلك الوقت، مما يعكس مستوى الرفاهية التي كانت تتمتع بها عائشة فهمي. وهكذا تتحول قطعة تقنية صغيرة إلى وثيقة اجتماعية حيث لا يظهر التاريخ دائمًا عبر القرارات السياسية أو أسماء الحكام.

الحرير والكتان على الجدران

القصر يحتفظ أيضًا بتفاصيل مصنوعة من الحرير والكتان إلى جانب زخارف أوروبية على جوانب الحوائط، وهي عناصر أشار إليها صندوق التنمية الثقافية بعد أعمال التطوير. وهنا يصبح الضوء بطلًا آخر؛ الملمس والظل وانعكاس الضوء على سطح قديم والانتقال بين غرفة مضيئة وأخرى أكثر قتامة.

النافذة التي تجمع زمنين

وربما تكون النوافذ أكثر عناصر القصر قدرةً على اختصار حكايته.

من ناحية هناك الداخل: قصر وزخارف وأثاث وغرف وذاكرة عائلة.

ومن ناحية أخرى هناك الخارج: الزمالك والنيل والقاهرة التي تغيرت عشرات المرات منذ بناء القصر.

تخيل صورة تُلتقط من داخل إحدى النوافذ يظهر فيها النيل أو جزء من المدينة.

في لقطة واحدة يصبح لدينا زمنان: القاهرة التي كانت والقاهرة التي أصبحت.

القصر الذي تحول إلى صورة

منذ عام 1976 لعب مجمع الفنون دورًا مهمًا في الحركة الفنية المصرية واستضاف معارض وفعاليات فنية عديدة لأعمال لفنانين عالميين مثل بيكاسو ودالي وهنري مور وديفيد هوكني. ثم توقف نشاطه عام 2005 ودخل في رحلة ترميم طويلة قبل إعادة افتتاحه في 17 مايو 2017. وهنا يصبح القصر نفسه عملًا فنيًا له طبقات متعددة: طبقة الأسرة وطبقة الدولة وطبقة الفن وطبقة الترميم وطبقة الزمن الذي مر على كل شيء.