لواء/مصطفى زكريا.
الإثنين 29/يونيو/2026 – 11:47 ص .
عند الحديث عن ثورة 1919، يتجه التفكير مباشرة إلى نفي الزعيم سعد زغلول ورفاقه، وخروج المصريين في مظاهرات حاشدة تطالب بالاستقلال. لكن الثورات لا تنشأ من حدث واحد، بل هي نتيجة سنوات طويلة من القهر وتراكم المظالم، حتى تصل الشعوب إلى لحظة يصبح فيها الصمت مستحيلاً.
ومن بين الصفحات التي لم تلقَ ما تستحقه من اهتمام في تاريخنا الحديث، تبرز قصة فيلق العمال المصري الذي أنشأته سلطات الاحتلال البريطاني خلال الحرب العالمية الأولى. هذه الصفحة تكشف حجم المعاناة التي عاشها الفلاح المصري، وأسهمت في تشكيل الوعي الوطني الذي انفجر لاحقًا في ثورة 1919.
مع دخول بريطانيا الحرب العالمية الأولى، أصبحت مصر قاعدة رئيسية لدعم العمليات العسكرية في الشرق الأوسط. ولم يقتصر الأمر على استغلال موارد البلاد فحسب، بل امتد أيضاً لاستغلال الإنسان المصري نفسه. فبدعوى الحاجة إلى العمال، تم تجنيد مئات الآلاف من المصريين للعمل في حفر الخنادق، ومد خطوط السكك الحديدية، وإنشاء طرق الإمداد، ونقل المؤن والمياه والذخائر في سيناء وفلسطين ومناطق أخرى تخدم المجهود الحربي البريطاني.
ورغم أن السلطات البريطانية وصفت ذلك بأنه تطوع، فإن العديد من الشهادات والوثائق التاريخية تؤكد أن التجنيد كان يتم بالإكراه في كثير من الحالات بمساندة بعض الإدارات المحلية والعمد. هذا الأمر ترك جرحاً عميقاً في وجدان الريف المصري، حيث اقتُلعت أعداد كبيرة من الفلاحين من أراضيهم وأسرهم ليجدوا أنفسهم في ظروف عمل قاسية بعيدًا عن وطنهم، في حرب لم تكن حربهم. وقد فقد كثير منهم حياتهم بسبب الأمراض أو الحوادث أو قسوة المناخ.
وقد أدرك الزعيم سعد زغلول مبكراً خطورة ما يتعرض له المصريون، واعتبر أن ما يجري يمثل انتقاصًا من كرامة الأمة وحقوقها. لم يكن هذا الشعور مقصورًا على النخبة السياسية فقط، بل كان حاضراً أيضاً في القرى والنجوع التي دفعت الثمن الأكبر. لذا لم يكن غريباً أن تتحول تلك المعاناة المتراكمة إلى غضب شعبي واسع عندما رُفض السماح للوفد المصري بعرض قضية استقلال البلاد ثم اعتُقل سعد زغلول ورفاقه ونُفوا خارج الوطن.
ومن هنا فإن فهم ثورة 1919 لا يكتمل دون التوقف أمام هذه الصفحة المنسية. فالثورة لم تكن مجرد احتجاج على قرار سياسي فحسب، بل كانت تعبيراً عن شعب أنهكته سنوات الاحتلال والسخرة والمصادرات والأحكام العرفية والاستعلاء على كرامته الوطنية.
إن إعادة إحياء هذه الوقائع لا تهدف إلى إثارة الأحقاد وإنما إلى إنصاف أجيال من المصريين تحملوا معاناة لا يعرفها كثيرون. كما تذكرنا بأن الحرية والاستقلال لم يكونا هبة من أحد بل ثمرة تضحيات قدمها رجال بسطاء ربما لم تُذكر أسماء معظمهم في كتب التاريخ، لكن آثارهم بقيت محفورة في تاريخ الوطن.
ولعل أقل ما نقدمه لهم اليوم هو إعادة قراءة تاريخهم بإنصاف ومنح هذه الصفحة ما تستحقه من اهتمام؛ لأنها كانت بحق أحد الوجوه المنسية التي مهدت لقيام ثورة 1919، إحدى أعظم محطات النضال الوطني في تاريخ مصر.

