علاء عوض.
الجمعة 24/يوليو/2026 – 05:18 م.
رغم أنها تتحمل تكاليف باهظة وتكبد خسائر فادحة، إلا أن إيران تواصل تحركاتها بثبات وذكاء على رقعة الشطرنج لتقويض خطط ترامب وإفسادها بشكل منهجي. فلم تكتفِ في جولة الحرب الحالية بإغلاق مضيق هرمز وقصف قواعد أمريكا في المنطقة وقتل أربعة جنود على الأقل، وإصابة عدد آخر، بل قامت بالخطوة الأكثر ذكاءً وفي التوقيت المناسب من خلال قصف سفينتي نفط في البحر الأحمر بواسطة أذرعها في اليمن. كانت الناقلتان السعوديتان تحملان شحنة نفطية ضخمة تُقدَّر قيمتها السوقية بنحو 242 مليون دولار أمريكي، بالإضافة إلى قيمة الناقلتين نفسيهما، لترتفع قيمة الخسائر إلى حوالي 342 مليون دولار. كما ارتفع سعر النفط عالميًا إلى مستوى 100 دولار، وانخفض مؤشر داو جونز بأكثر من 500 نقطة. يعكس هذا المشهد ضخامة خسائر العمليات اللوجستية وتأثير الاقتصاد البحري على التضخم، مما يجبر البنوك المركزية على رفع الفائدة بسبب عدوان ترامب على إيران، مما يؤدي إلى موجة غلاء عالمية وارتفاع تكلفة الديون.
وقد جاءت تلك العملية بالتزامن مع عقد مجلس النواب الأمريكي جلسة لمناقشة تقليص صلاحيات ترامب في حربه ضد طهران، حيث أعلن ترامب أنه يدرس شن هجوم واسع النطاق على إيران. ليأتي الرد كضربة عنيفة له بإقرار مجلس النواب قيودًا على صلاحياته تهدف إلى منع أي عمل عسكري ضد إيران دون موافقة الكونغرس. ورغم رمزية هذا القرار وأنه ما زال يحتاج إلى موافقة مجلس الشيوخ، وأيضًا يمكن لترامب استخدام حق الفيتو ضده، إلا أنه يمثل إشارة استراتيجية للشعب الأمريكي والعالم بأن حرب ترامب الغبية والمتهورة يجب أن تنتهي.
يعكس ذلك وجود معارضة داخل الكونغرس لاستمرار الحرب وأنها لم تعد تحظى بإجماع سياسي. مما يمثل ضغطًا سياسيًا على البيت الأبيض، خاصة مع انضمام عدد محدود من الجمهوريين أعضاء حزب ترامب إلى الديمقراطيين في التصويت، وهو ما يعكس وجود انقسام داخل الحزب الجمهوري سوف يؤثر بلا شك سلبًا على حسابات وثقة حلفاء ترامب في الخليج.
في الواقع، ما حدث يثبت أن إيران لديها خطة طويلة الأمد، فبعد سيطرتها عمليًا على مضيق هرمز وتحويله من ممر ملاحة حر إلى “أهم نقطة اختناق عالمية”، نقلت اللعبة إلى البحر الأحمر. في الشطرنج كل حركة مرتبطة بالحركة القادمة والهدف النهائي واضح، ويمكن التضحية بقطع قصيرة المدى من أجل مكسب طويل المدى. هدف إيران الواضح هو إخراج أمريكا من المنطقة وطردها من الشرق الأوسط بينما يدير ترامب الحرب كصالة قمار يبتز بها دول الخليج لصالح إسرائيل.
وهكذا بينما تلعب طهران الشطرنج، يلعب ترامب القمار. الرجل الذي ارتبط اسمه بكازينو (تاج محل)، أحد أشهر مشاريع المقامرة التي انتهت بالإفلاس. اعتاد منطق الرهان السريع ويؤمن بأن كل خسارة يمكن تعويضها برهان أكبر وأن الجولة التالية ستمحو آثار السابقة. كما انتهى مشروع تاج محل بالإفلاس، ستنتهي حربه ضد إيران بالطريقة نفسها؛ فالحروب لا تمنح الخاسر فرصة أخرى.
لقد فقد السيطرة على القطعة الأهم: مضيق هرمز، والآن هو في طريقه لخسارة باب المندب ليعمق أزمة الإمدادات العالمية. صمود طهران في هذه الحرب جعلها تعيد كتابة قواعد الشطرنج الجيوسياسي كما كانت فارس قد طورت لعبة الشطرنج قبل قرون.
قبل حرب نظام إبستين ضد إيران كان سقوط الملك إعلانًا للهزيمة؛ أما في هذه الحرب فإن سقوط الملك بعد مقتل المرشد الإيراني خامنئي لم يؤدِ إلى انتهاء اللعبة كما توقع ترامب بل فتح فصلًا جديدًا من الصراع أكثر تعقيدًا. أدى ذلك إلى استنزاف وعي ترامب دون أن يدرك ليندفع للقتال في معركة أُعدت حساباتها بشكل دقيق وأهم عنصر في معادلة الحرب تلك جعل ترامب غاضبًا بشكل مستمر.
إنها حيلة صينية قديمة تناسب الحمقى أمثال ترامب وضعها حكيم الصين صن تزو: “من يندفع إلى المعركة غاضبًا سيقاتل بشروط خصمه”. كان ترامب يظن أنه يمكن أن يحاصر طهران بالجوع وتدمير بعض بنيتها الأساسية لكن الواقع أثبت أن طهران تحاصره بما هو أدهى: الارتباك النفسي وتجريده من شعبيته ودفع الاقتصاد الأمريكي والعالمي إلى حافة الانهيار.
وفي النهاية لا يخسر ترامب حرب إيران لأنه لا يملك أوراقا بل لأنه يظن أن الجولة الحالية من الحرب ستعوض كل ما خسره في الجولة الأولى. وهنا يكمن الفارق بين رقعة الشطرنج وصالة القمار؛ لقد سلك نابليون الطريق نفسه في حربه ضد روسيا فانتهى الأمر بخسارة الجيش والإمبراطورية.
من يخلط بين الحسابات الجيوسياسية والمقامرة قد يكتشف متأخرًا أن أكبر خسائره لم تكن في الجولة الأولى بل في إصراره المتهور على لعب الجولة الأخيرة وهو لا يملك مفاتيح الممرات البحرية المغلقة.

