من صعيد مصر إلى رحاب الفن..

في تاريخ الموسيقى العربية، تبرز قمم شاهقة لم تكتفِ بصناعة الألحان، بل أعادت تشكيل أذن المستمع ورسمت الذاكرة الوجدانية لأجيال متعاقبة. يأتي في صدارة هؤلاء العباقرة الموسيقار الكبير عمار الشريعي من محافظة المنيا؛ الموسيقي الذي تجاوز حدود الإعاقة ورأى الحياة بقلبه، لتتحول أنغامه إلى نبض للحياة، ولتظل بصماته الموسيقية في السينما والتلفزيون آيةً من آيات الإبداع وأيقونةً رمضانية لا تغيب.

وعن رحلة نشأة الشريعي؛ وُلد في 16 إبريل عام 1948 بمركز سمالوط في محافظة المنيا. ولم يكن فقدانه لبصره سوى شرارة أوقدت بصيرته؛ حيث بدأ مسيرته التعليمية بمدرسة طه حسين للمكفوفين بالقاهرة، والتي تخرج فيها عام 1966، قبل أن يلتحق بكلية الآداب (قسم اللغة الإنجليزية) بجامعة عين شمس ويحصل على ليسانس عام 1970.

خلال سنوات دراسته الجامعية، تفتقت موهبته الفذة واسترعت انتباه كبار صنّاع الموسيقى؛ حيث احتضنه الموسيقار الكبير كمال الطويل وتبنى موهبته، ليتعرف بعدها على بليغ حمدي ويبدأ مشواره الميداني بقيادة الفرق الموسيقية والعمل مع قمم العزف والتوزيع في مصر.

تحدي الإعاقة والتأسيس العزفي؛ حيث استهل الشريعي حياته العملية عقب تخرجه مباشرة عام 1970 كعازف لآلة “الأكوردين”، قبل أن ينتقل إلى آلة “الأورج” التي بزغ فيها نجمه كأحد أعتى عازفي جيله. يُعد الشريعي نموذجًا في تحدي المستحيل؛ إذ شكّل تمكنه من آلة الأورج ظاهرةً استثنائية بالنظر إلى ما تتطلبه هذه الآلة من تعقيد تقني واعتماد كبير على البصر. ومع ذلك، استطاع بموهبته الفذة أن يروض مفاتيحها لتنساب تحت أصابعه أنغام تأسر القلوب.

ثورة التلحين والموسيقى التصويرية؛ في عام 1975، شهد العالم العربي ميلاد الشريعي كملحنٍ من طراز فريد عبر أول ألحانه «امسكوا الخشب» للفنانة مها صبري. ومنذ ذلك الحين، انطلق قطار إبداعه ليزين سجله بأكثر من 150 لحنًا تجاوب معها كبار مطربي ومطربات العالم العربي.

غير أن عبقريته تجلت في أبهى صورها عبر الموسيقى التصويرية؛ حيث أضفى على الأعمال الدرامية والسينمائية بُعدًا روحيًا وجدانيًا جعل من ألحانه بطلاً رئيسيًا لا يقل أهمية عن النص والتمثيل.

فرقة الأصدقاء: تجديد الخطاب الغنائي؛ عام 1980، أسس الشريعي «فرقة الأصدقاء» بمشاركة وجوه شابة آنذاك (منى عبد الغني، حنان، وعلاء عبد الخالق). هدفت الفرقة إلى تقديم غناء جماعي يُعنى بقضايا المجتمع ويمزج بين أصالة التراث ومعاصرة الإيقاع، لتُمثل تجربةً فارقة في تاريخ الفرق الموسيقية العربية.

وجاءت أبرز الأعمال للموسيقار عمار الشريعي؛ حيث حصد التقدير والجوائز على الصعيدين العربي والعالمي تاركًا أرشيفًا موسيقيًا حفر اسمه بحروف من نور:
وفي السينما؛ قدم شارات وموسيقى أفلام علامة في تاريخ السينما المصرية مثل: «البريء»، «البداية»، «حب في الزنزانة»، «أرجوك أعطيني هذا الدواء»، «يوم الكرامة»، و«حليم».

وفي التلفزيون:
أبدع ألحانًا أصبحت جزءًا من الهوية الثقافية العربية والدراما الرمضانية مثل: «رأفت الهجان»، «الأيام»، «أرابيسك»، «فاطمة»، «الراية البيضا»، «النديم»، و«امرأة من زمن الحب».

رحل الشريعي بجسده لكنه بقي بيننا في كل نغمة دافئة تتسلل إلى القلوب وفي كل تيمة موسيقية تذكرنا بأن الفن الصادق لا يحده غياب البصر بل تصنعه قوة البصيرة.