تعيش الأجيال الحالية في جهل تام عن ثورة يوليو، ولا يعرفون ما قدمته لمصر والمصريين. عشت أحداث تلك الثورة منذ فجر 23 يوليو 1952، حيث كنا نسكن في ميدان عابدين أمام القصر. ومنذ اللحظات الأولى، شاهدت الدبابات التي حاصرت القصر، الذي كان خاليًا من الملك المتواجد في الإسكندرية.
ما زلت أذكر السعادة التي كانت على وجه والدي، ولم أكن أدرك حينها سبب تلك الفرحة. كما أتذكر أوامره بإعداد الشاي لجنود الدبابة المتواجدة أسفل المنزل. هذه هي ذكريات الفنان القدير سعيد الشيمي، الذي يعتبر ثورة يوليو وعبد الناصر نموذجًا صعبًا للتكرار.
وأضاف الشيمي: “ما قدمته ثورة يوليو للفلاح والقرية يتجاوز بكثير الحديث عن الخمسة فدادين. لقد أعطت الثورة للريف والفلاح ستة عناصر أساسية غيرت حياتهم من البؤس والتخلف إلى الحياة الإنسانية.”.
أولًا: جعل التعليم إلزاميًا لكل الأطفال بعمر ست سنوات مع فرض غرامة على من يمنع أبناءه من الذهاب إلى المدرسة. ثانيًا: إنشاء وحدات صحية، حيث كان الأطفال يموتون بسبب عدم توفر طبيب أو مكان للعلاج. ثالثًا: إنشاء وحدات بيطرية للحفاظ على الثروة الحيوانية للفلاح وللبلاد.
رابعًا: تأسيس بنك التسليف لمساعدة الفلاحين على زراعة محاصيلهم وبيعها ثم سداد القروض، مما ساهم في حل الكثير من مشكلاتهم المالية. خامسًا: إدخال المياه النظيفة عبر إنشاء مصادر للمياه مثل الصهاريج الكبيرة والحنفيات المجمعة. سادسًا: توفير الكهرباء للريف تدريجيًا حتى جاء السد العالي الذي أضاء 75% من مصر بحلول عام 1970.
يقول الفنان الشيمي: “لقد قمت بتصوير فيلم عن كهربة الريف في إحدى قرى بنها، ورأيت السعادة في عيون أهل القرية عندما أضاءت الكهرباء بيوتهم وأفكارهم أيضًا.” ويتذكر أنه بعد وفاة الزعيم جمال عبد الناصر، تم تكليفه بالسفر إلى قرية عبد الناصر بني مر بأسيوط مع الكاتب رأفت الميهي، واكتشفوا أنها لا تختلف عن أي قرية مصرية أخرى.
وتظهر ملامح الحزن على وجه الشيمي وهو يقول: “أشعر أحيانًا أنني لست في بلدي، لقد تغير كل شيء حولنا. وهذا ليس صدفة بل هو نزع للهوية بشكل ممنهج بدأ منذ سنوات طويلة.” ويضيف أنه تم إلغاء مؤسسة السينما في عهد الرئيس السادات، التي كانت تهتم بتقديم أفلام تعزز الوعي والانتماء.
ثم تلت تلك القرارات خطوات دمرت مشروع عبد الناصر بدءًا بإلغاء الصناعة وصولاً إلى الانفتاح الذي أثر سلبًا على البلاد. ويشير إلى أن السادات قد ألحق الضرر بمصر وتاريخها بشكل كبير، مما جعل الشباب وآبائهم ضحايا لما يحدث حتى اليوم.
جاءت تصريحات الفنان سعيد الشيمي خلال ندوة بعنوان “محمد خان وعشر سنوات من الرحيل”، حيث بدأ بتحية لثورة يوليو في عيدها الرابع والسبعين. وذكرني بما قاله السياسي القدير الدكتور حلمي الحديدي وزير الصحة الأسبق حول التحسينات الصحية التي شهدها الريف بعد الثورة.
الحقيقة أنني لم أكن أنوي الكتابة عن ثورة يوليو، لكن حماس الفنان سعيد الشيمي هو ما دفعني لذلك. فقد تحدث معي الأسبوع الماضي حول تأثير التعليم على الفلاحين الأميين الذين لم يتلقوا التعليم المناسب وكيف أنهم ضحايا جهلهم. لذا سيظل الزعيم جمال عبد الناصر رمز الوطنية الذي كان يحلم بمستقبل أفضل ولكن خذله من جاءوا بعده ولم يكملوا مسيرته.
تحيا مصر.

