تنساب جغرافية محافظة المنيا على ضفاف النيل الخالد، كلوحة صاغها الزمن بعناية؛ فهي “عروس الصعيد” التي تتربع في وادٍ دافئ مشمس، وتختزل بين جنباتها فصولاً ممتدة من حضارات مصر الفرعونية، والقبطية، والإسلامية، والحديثة. وفي قلب هذا التاريخ الممتد، تبرز قصة “فوريقة مطاي”.
ذلك الصرح الصناعي الذي شيده الخديوي إسماعيل ليكون شاهداً على عصر “النهضة البخارية” في القرن التاسع عشر، وحكاية تحوّل مجتمعي واقتصادي صاغ ملامح شمال المنيا.
لغة التاريخ: من “الفابريقة” إلى “الفوريقة”.
قبل أن تصبح “منشأة مطاي” مركزاً حديثاً، كانت تُعرف بـ “الفوريقة”. تعود هذه التسمية في أصلها الدلالي إلى تحريف محلي لكلمة “فابريقة” (Fabrique) الفرنسية أو الإيطالية التي تعني “المعمل” أو “المصنع الكبير”.
لم تكن “فوريقة مطاي” مجرد مصنع عابر، بل كانت تجسيداً لطموح الخديوي إسماعيل في تحديث الدولة عبر الـ “الدائرة السنية” (أملاكه الخاصة). إذ أمر بتأسيسها بين عامي 1870 و1871م، لتكون واحدةً من بين 9 فوريقات عظيمة أنشأها في مديرية المنيا، من إجمالي 17 مصنعاً امتدت على الشاطئ الأيسر للنيل من بني سويف حتى أسيوط.
جغرافيا التأسيس وشهادة “الخطط التوفيقية”.
لقد خلّد المؤرخ الكبير علي باشا مبارك تفاصيل هذا الصرح في موسوعته الضخمة “الخطط التوفيقية” (التي أتمّها عام 1888م)، واصفاً حدود قرية مطاي وموقع الفوريقة بدقة جغرافية لافتة. حيث تقع الفوريقة في الجهة الشرقية لبلدة مطاي بمقدار 1500 متر، وهي فوريقة لعصر القصب وصناعة السكر تابعة للدائرة السنية. يجاورها ديوان للتفتيش ومساكن للمستخدمين والمهندسين الأجانب، وهي ذات العمارة القائمة حتى اليوم على ترعة الإبراهيمية.
تزامن بناء الفوريقة مع شق الترعة الإبراهيمية (التي انتهى حفرها عام 1873م)، وإنشاء قناطر حجز مطاي والكوبري الخشبي القديم الذي كان يعبره شريط السكة الحديدية الزراعية ناقلاً محاصيل الذهب الأخضر (قصب السكر) من الحقول الشاسعة التي بلغت مساحتها 18 ألف فدان.
خلية النحل الإنسانية: مجتمعات ولدت من رحم الصناعة.
لم تكن الفوريقة مجرد آلات صمّاء، بل كانت نابضة بالحياة والحركة. حيث كان يشتغل بالفوريقة نحو 2300 عامل دائم من أبناء القرى المجاورة، يساندهم جيش من العمالة الموسمية يتجاوز هذا العدد؛ يتولون جني القصب وتكسيره وتنظيفه وشحنه.
وفي الإدارة والخبراء، أدار المصنع طاقم من المهندسين والموظفين الأجانب (خاصة الفرنسيين تحت إشراف الخواجة “كاي”). وترأس الإدارة العسكرية والعملية الأميرلاي أمير البحر “مصطفى باشا الطوسيلي” حتى تقاعده عام 1879م. حيث كان العمل بنظام الوردية المستمرة، فكانت الفوريقة تعمل على مدار 24 ساعة ليل نهار بنظام الورديات، تضيئها أنوار “وابور النور” (المولد الكهربائي المبكر) التي تتوزع على العنابر والمخازن.
وبفضل هذه الحركة الدؤوبة، نشأت تجمعات سكنية جديدة للعمال من الطوب اللبن جنوب المصنع (ما عُرف لاحقاً بـ “الفوريقة القديمة” أو تقسيم إحسان عزمي). كما سكن آخرون شرق السكة الحديد لتولد “عزبة فوريقة مطاي” (حي شرق المحطة حالياً)، وظلت أسماء مثل “الحوشة” و”أرض القصب” حية في وجدان الأهالي حتى يومنا هذا.
صخب الحديد والنحاس: الآلات وحجم الإنتاج.
اشتعلت الفوريقة بضجيج الآلات القوية المصنوعة من الحديد والنحاس والتي تدار بقوة البخار (“قوة النار”). وقد ضمت التجهيزات الفنية 4 عصارات ضخمة لعصر القصب وابورات متعددة لإدارة غرابيل العظم ونوارج غسل القصب وتوزيع المياه.
كما تضم 6 وابورات حرارية لتكرير الشربات وعمل الجلاب وطبخ العسل ورش صيانة متكاملة للسبك والحدادة والخراطة والبرادة لتوفير الاكتفاء الذاتي للمصنع. بالإضافة إلى شبكة سكة حديد زراعية تجر عرباتها قطارات (وابورات) بقوة 20 حصاناً تجلب القصب من حقول سمالوط وبني مزار ومطاي.
غروب الصرح التاريخي.
دارت عجلة الإنتاج في فوريقة مطاي على مدار أربعين عاماً كان الصعيد خلالها يغزل خيوط الضياء والصناعة الحديثة. وفي عام 1909م بلغت كمية القصب المعصور ذروتها بنحو 247 ألف طن. إلا أن التحولات الاقتصادية مطلع القرن العشرين ألقت بظلالها على المصنع فتراجع الإنتاج عام 1910م إلى 110 آلاف طن.
لتبدأ الفوريقة بالإنسحاب الهادئ من مشهد الإنتاج تاركة خلفها تاريخاً محفوراً في ذاكرة الأمكنة وهندسة عمرانية ما زالت ملامحها تزين منشأة مطاي حتى اليوم.

