دخلت الحرب الأمريكية على إيران مرحلة جديدة من التصعيد بعد انهيار مذكرة التفاهم التي لم يكن بها أي توافق حقيقي، إذ أدى التباين في تفسير بنودها، ولا سيما المتعلقة بإدارة الملاحة، إلى سرعة انهيارها ونسف المسار الدبلوماسي الذي كان يفترض أن يمهد لاتفاق أوسع يشمل البرنامج النووي الإيراني وتخفيف العقوبات. النقطة الأساسية في الخلاف تتمحور حول مضيق هرمز، إذ تطالب إدارة ترامب بأن تتخلى إيران عن نفوذها على الممر البحري، بينما تعتبر طهران أن مذكرة التفاهم الموقعة الشهر الماضي تمنحها حق إدارة حركة الملاحة فيه. الخلاصة أن الطرفين عالقان الآن عند “حافة الهاوية”، فلا تستطيع أمريكا فرض فتح المضيق بالقوة، ولا تستطيع إيران الحفاظ على إغلاقه دون كلفة اقتصادية وسياسية متزايدة. كما أنه ليس بإمكانها الاستفادة اقتصادياً من استمرار إغلاق المضيق بعدما عادت العقوبات الأمريكية وجرى استئناف الحصار البحري، فيما تتراجع صادراتها النفطية ويزداد الضغط على اقتصادها المأزوم. وسرعان ما انعكس هذا على الأسواق العالمية، إذ تراجعت حركة ناقلات النفط إلى أدنى مستوياتها منذ أشهر، وارتفع سعر خام برنت بنحو 20% خلال أسبوع واحد وسط مخاوف من استمرار تعطل الإمدادات العالمية.

بينما تراهن واشنطن على الضغط العسكري والاقتصادي متمثلاً في الحصار البحري على الموانئ الإيرانية لإجبار طهران على التخلي عن سيطرتها على المضيق، تبدو طهران مصممة على الاحتفاظ بورقة المضيق الاستراتيجية. وهو ما ينذر بحرب استنزاف قد تطول وتلقي بظلالها على الاقتصاد العالمي، وسط مؤشرات متزايدة على أن المواجهة مرشحة للاستمرار في غياب أي اختراق دبلوماسي. حيث لم تحقق جهود الوساطة التي تقودها دول عربية وباكستان وأطراف أخرى لإحياء الهدنة أو استئناف المفاوضات أي تقدم ملموس. كما يفرض انعدام الثقة بين واشنطن وطهران صعوبة بالغة أمام أي مسار دبلوماسي.

الآن يبدو أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لا تملك رؤية واضحة لكيفية إنهاء الأزمة، رغم عودتها إلى العمليات العسكرية ضد أهداف إيرانية بالتزامن مع هجمات إيرانية على حلفاء واشنطن في المنطقة. وأبرز مثال على غياب الرؤية هو تراجع الرئيس ترامب عن مقترح فرض رسوم بنسبة 20% على السفن العابرة للمضيق مقابل الحماية الأمريكية واستبداله بفكرة تقديم مرافقة بحرية للسفن مقابل اتفاقيات استثمارية مع الولايات المتحدة. ويعكس هذا التغيير السريع استمرار نهج واشنطن في تعديل سياساتها بصورة متكررة وفقاً لتطورات الميدان. يحاول ترامب الآن الانتقال إلى مرحلة جديدة في استراتيجيته تجاه هذا الصراع بعد أن جرب الضربات الجوية ثم الحصار البحري وصولاً إلى مزيج من القوة العسكرية المعززة بحاملتي طائرات ونحو 20 قطعة بحرية وما يقارب 50 ألف جندي والضغوط الاقتصادية والدبلوماسية لإجبار طهران على القبول بشروطه. لكن أياً من هذه الأدوات لم تنجح حتى الآن في تغيير الحسابات الإيرانية أو إعادة فتح المضيق.

يواجه الرئيس ترامب بالفعل أزمة متفاقمة بسبب انهيار مذكرة التفاهم التي قدمها باعتبارها إنجازاً دبلوماسياً. كما أن توسع المواجهة ليشمل اليمن واستئناف الهجمات بين السعودية والحوثيين قد يفاقم حالة عدم الاستقرار في المنطقة.

عند مناقشة مسألة الحسم العسكري لهذا الصراع ورغم فارق القوة العسكرية الواضح والكبير لصالح الولايات المتحدة إلا أن الواقع يقول إن أي طرف منهما غير قادر على تحقيق أهدافه عسكرياً. فواشنطن بجيوشها الجرارة ورغم مئات الضربات الجوية لم تتمكن من إنهاء قدرة إيران على تهديد الملاحة لأن الأخيرة لا تزال تمتلك صواريخ ومسيّرات قادرة على استهداف السفن حتى من داخل الأراضي الإيرانية. هذا غير أن استمرار المواجهة يهدد بإعادة المنطقة إلى حرب واسعة خاصة مع ازدياد الضغوط على أسواق الطاقة والدول المستوردة للنفط. بينما لا تبدو أي قوة دولية مستعدة لتولي دور حاسم في تأمين المضيق، حيث تتردد أوروبا ولم تحسم موقفها تجاه هذه الحرب رغم التغير الملحوظ في اللغة الذي بدأ في اجتماعات الناتو. بينما تخشى دول الخليج الانجرار إلى مواجهة مباشرة مع إيران، واكتفت الصين بالدعوة إلى إعادة فتح الممر البحري دون اتخاذ خطوات عملية.

رغم التصعيد المتواصل يظل الحسم العسكري الخيار الأخير بعد استنزاف كل الحلول لأنه سيكون بمثابة حرب إقليمية شاملة لها تداعيات خطيرة على المنطقة، بينما العودة إلى طاولة المفاوضات تظل الخيار الوحيد القادر على إنهاء الأزمة.