تحل اليوم ذكرى استقلال باكستان عن الهند في عام 1947، والتي تُعد واحدة من أبرز المحطات المفصلية في تاريخ آسيا والعالم الإسلامي. فقد ظهرت دولة جديدة على خريطة العالم، تأسست على قاعدة الهوية الإسلامية لشبه القارة الهندية، تحت قيادة مؤسسها ورئيس الرابطة الإسلامية محمد علي جناح.
جذور الإسلام في شبه القارة الهندية
يعود الوجود الإسلامي في شبه القارة الهندية إلى القرن الأول الهجري (القرن الثامن الميلادي)، مع الفتوحات الأولى بقيادة محمد بن القاسم الثقفي. وقد تعزز هذا الوجود لقرون طويلة تحت حكم السلاطين والملوك المسلمين، مثل الدولة الغزنوية والسلطنة المغولية، مما أدى إلى تركز الكتل السكانية المسلمة بشكل كثيف في شمال غرب شبه القارة، وخاصة في إقليمي البنجاب والسند وبلوشستان، وكذلك في أقصى الشرق بإقليم البنغال نتيجة قرب هذه المناطق من طرق الفتوحات والتجارة التاريخية.
ومع تراجع نفوذ الحكم الإسلامي ودخول الاستعمار البريطاني، اتبع المحتل سياسة “فرق تسد”، مما أجج التوترات الدينية والعرقية التاريخية بين الأغلبية الهندوسية والأقلية المسلمة التي كانت تمثل نحو ربع السكان.
ومع اقتراب الجلاء البريطاني بعد نحو 190 عامًا من السيطرة على البلاد، تحولت السجالات الفكرية إلى صراع سياسي حول مصير المسلمين؛ حيث خشي المسلمون من الذوبان أو التهميش في دولة واحدة تحكمها أغلبية هندوسية. بينما تمسك زعماء الهندوس مثل حزب المؤتمر بهندية موحدة، مما أدى إلى اندلاع اشتباكات وأعمال عنف عرقية ودينية واسعة في مدن مثل كلكتا والبنجاب. وقد حسمت هذه الأوضاع ضرورة خيار التقسيم وإقامة وطن مستقل للمسلمين.
قصة تقسيم باكستان واستقلالها عن الهند
رغم محاولات حزب المؤتمر الهندي الإبقاء على الهند موحدة، إلا أن محمد علي جناح العضو البارز في الحزب الوطني الهندي المعروف بسفير الوحدة بين المسلمين والهنود، ومعه المفكرون المسلمون وعلى رأسهم الشاعر محمد إقبال، اعتبروا أن المسلمين يجب عليهم تشكيل أمة قائمة بذاتها لها خصوصيتها الثقافية والعقائدية. ولم يكن يمكن ضمان حقوقهم إلا عبر كيان سياسي مستقل بعد سنوات من النضال من أجل حياة مشتركة دون الحصول على أي شيء.
وأمام الإصرار الشعبي والسياسي، أقر آخر نواب الملك البريطاني اللورد مونتباتن قانون استقلال الهند لعام 1947، والذي قضى بتقسيم شبه القارة إلى دولتين: باكستان التي ضمت وقتها الجناحين الغربي والشرقي (بنجلاديش حاليًا)، والهند.
محمد علي جناح: القائد الأعظم وأول حاكم لباكستان
لعب محمد علي جناح الذي يُلقب في باكستان بالقائد الأعظم دورًا حاسمًا بفضل تفوقه القانوني والسياسي؛ إذ استطاع توحيد الصفوف وإدارة المفاوضات المعقدة مع سلطات الانتداب البريطاني وقادة الهند.
وفي 14 أغسطس 1947، تولى جناح منصب أول حاكم عام لدولة باكستان الناشئة. وألقى خطابه التاريخي الشهير أمام الجمعية التأسيسية محصنًا الدولة بالدعوة إلى التسامح وسيادة القانون وبناء مؤسسات حديثة تكفل الحرية الدينية والمدنية لجميع المواطنين. واستطاعت الدولة الجديدة تثبيت أركانها لتتحول باكستان على مدار العقود التالية إلى قوة إقليمية ونووية بارزة في إسلام آباد.

