من أبرز المحطات الدالة في مسيرة نجيب ساويرس أنها لم تقتصر على اقتحام الأسواق الناشئة أو الاقتصادات التي تعاني نقصًا في الخدمات، بل امتدت إلى واحدة من أكثر البيئات الاقتصادية تنافسية وتنظيمًا في العالم، وهي كندا. ففي الوقت الذي كان فيه كثيرون يظنون أن المنافسة في سوق تهيمن عليه شركات عملاقة تكاد تكون مستحيلة، قرر أن يخوض التجربة من خلال شركة WIND Mobile، واضعًا نصب عينيه هدفًا يتمثل في تقديم مشغل جديد قادر على كسر هيمنة اللاعبين التقليديين، وتقديم خدمات أكثر تنافسية للمستهلك الكندي.
ولم يكن الطريق مفروشًا بالنجاح، فقد واجهت التجربة تحديات قانونية وتنظيمية معقدة، وخاضت معارك مرتبطة بطبيعة ملكية الشركات الأجنبية والقواعد المنظمة لقطاع الاتصالات. إلا أن مجرد دخول مستثمر مصري إلى هذا السوق ومنافسته لشركات تمتلك تاريخًا طويلًا وإمكانات هائلة كان بمثابة رسالة بأن الكفاءة لا تعرف جنسية، وأن رأس المال المصري قادر على أن ينافس في أكثر الأسواق تطورًا إذا امتلك الرؤية والإدارة والإصرار.
وربما كانت المفارقة الأجمل في مسيرة نجيب ساويرس أنه جمع بين نقيضين قلما يجتمعان؛ فقد استثمر في كندا، إحدى أكثر الاقتصادات انفتاحًا وشفافية، واستثمر أيضًا في كوريا الشمالية، إحدى أكثر دول العالم انغلاقًا وتعقيدًا. وبين هاتين التجربتين تتجلى فلسفة الرجل الاستثمارية؛ فهو لم يكن يبحث عن السوق السهلة، وإنما عن السوق التي يرى فيها فرصة لا يراها الآخرون. مؤمنًا بأن المستثمر الحقيقي لا يصنعه المكان، وإنما تصنعه قدرته على قراءة المستقبل وتحويل التحديات إلى فرص والمغامرة المحسوبة إلى نجاح يضيف صفحة جديدة إلى تاريخه.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في تجربة نجيب ساويرس أنه لم يسمح للنجاح أن يتحول إلى قيد. فكثير من رجال الأعمال يقعون في حب شركاتهم حتى تصبح الشركة جزءًا من هويتهم، فلا يجرؤون على بيعها مهما بلغت قيمتها. ويظنون أن التخلي عنها اعتراف بالهزيمة. بينما كان هو يرى الأمر من زاوية مختلفة؛ فالشركة عنده ليست تمثالًا يُعبد وإنما فكرة تنمو. فإذا بلغت أقصى قيمتها الاقتصادية، لم يتردد في اتخاذ القرار الأصعب وهو التخلي عنها والبحث عن فكرة جديدة.
وهكذا جاءت الصفقة التاريخية التي أعادت رسم خريطة الاتصالات في المنطقة حين دخل في واحدة من أكبر صفقات قطاع الاتصالات في الشرق الأوسط بعد اندماج وبيع أصول رئيسية من أوراسكوم تيليكوم. لم يكن الحدث مجرد انتقال ملكية بل كان إعلانًا بأن شركة خرجت من مصر استطاعت أن تصل إلى مستوى جعلها محط أنظار كبار المستثمرين في العالم وأن العقل المصري قادر على تأسيس كيان تبلغ قيمته عشرات المليارات ثم إعادة توظيف تلك القيمة في استثمارات جديدة أكثر تنوعًا.
وهنا يظهر الفارق بين التاجر ورجل الأعمال؛ فالتاجر يبحث عن الربح في الصفقة بينما رجل الأعمال يبحث عن المستقبل بعد الصفقة. ولذلك لم يجلس نجيب ساويرس فوق ما حققه ولم يتحول إلى رجل يكتفي بإدارة ثروته بل بدأ رحلة جديدة قد تكون أكثر تعقيدًا نحو التعدين واستخراج الذهب.
وقد يتساءل البعض: ما الذي يدفع رجلًا صنع اسمه في الاتصالات إلى أن يذهب إلى مناجم الذهب؟ والإجابة تكمن في فلسفته ذاتها؛ فهو لا يرتبط بصناعة بعينها وإنما يرتبط بالفرصة. فإذا رأى أن العالم يتجه إلى ارتفاع الطلب على الذهب والمعادن وأن الاضطرابات الاقتصادية تجعل الذهب ملاذًا آمنًا فإنه لا يتردد في الانتقال إلى هذا القطاع ولو كان بعيدًا تمامًا عن المجال الذي صنع فيه مجده الأول. وهكذا أصبح من أبرز المستثمرين العالميين في شركات التعدين ولم يعد اسمه مرتبطًا فقط بالهواتف المحمولة بل أيضًا بالمناجم الممتدة عبر قارات مختلفة.
ثم امتدت استثماراته إلى التكنولوجيا فاستثمر في شركات ناشئة مؤمنًا بأن الاقتصاد الحديث لن تصنعه المصانع وحدها وإنما ستصنعه الأفكار والبرمجيات والذكاء والابتكار. ودخل كذلك عالم الإعلام مدركًا أن التأثير في العقول أصبح صناعة لا تقل أهمية عن التأثير في الأسواق وأن من يفهم حركة الإعلام يفهم جزءً كبيراً من حركة الاقتصاد والمجتمع.
كما حضر أيضًا قطاع السياحة والفنادق والتطوير العقاري والاستثمارات المالية الدولية وكأن الرجل كان يطبق قاعدة بسيطة وهي ألا يسمح للثروة أن تعتمد على ساق واحدة؛ فالتنوع ليس رفاهية بل هو أحد أهم قوانين البقاء.
ولم تكن حياته كلها أرقام وصفقات فقد قرر الدخول إلى عالم السياسة مؤمنًا بأن رجل الأعمال لا ينبغي أن يظل حبيس مكتبه وأن له حق المشاركة في الشأن العام فقد أسس حزب المصريين الأحرار وخاض تجربة سياسية أثارت جدل واسع واجه فيها صعوبات لم يواجهها كثيراً خلال استثماراته حيث اكتشف كما اكتشف غيره أن السياسة لا تخضع لمنطق السوق وأن النجاح الاقتصادي لا يضمن النجاح السياسي لأن الاقتصاد تحكمه الأرقام بينما السياسة فتحكمها المشاعر والأفكار والتوازنات والتاريخ.
وقد يختلف الناس معه حول بعض تصريحاته وربما يرى البعض أنه كان أكثر صراحة مما ينبغي لكن هذه الصراحة نفسها تكشف عن جانب أصيل من شخصيته فهو لا يبدو من أولئك الذين يجيدون ارتداء الأقنعة ولا ممن يفضلون الصمت حفاظاً على الشعبية؛ يقول ما يعتقد ويتحمل تبعات ما يقول سواء اتفق الناس معه أو اختلفوا وقد يكون هذا الأسلوب مكلفاً أحياناً لكنه يمنح صاحبه ميزة نادرة وهي معرفة الناس أين يقف.
ولا يمكن تجاهل معركة رجل الأعمال نجيب ساويرس مع الرئيس الأسبق محمد مرسي وجماعة الإخوان المسلمين فعلياً منذ اللقاء الأول الذي جمعهما 6 فبراير 2011 حيث تصاعدت حدة الخلاف لتشمل صدامات سياسية واقتصادية وقضائية بارزة انتهت بتأييد ساويرس لدعوات الإطاحة بحكم مرسي يونيو 2013.
وفي اجتماع عُقد بدعوة من نائب الرئيس الأسبق اللواء عمر سليمان مازح ساويرس مرسي بنيته الانضمام إلى حزب الحرية والعدالة ليرد عليه مرسي بأنه لا يمكن قبوله إلا كـ “عضو منتسب” فاعتبر ساويرس هذا الرد تمييزاً ضده كمواطن مصري مسيحي وتصاعد الموقف ليخبره بانفعال: “أنا مصري أكتر منكم” وأصبح ساويرس من أشد المعارضين لسياسات جماعة الإخوان بعد تولي مرسي الرئاسة وتحمل نتيجة هذا الموقف حين اتهمت حكومة مرسي عائلة ساويرس وشركة أوراسكوم بالتهرب من دفع ضرائب مستحقة تتجاوز مليار دولار وهو ما رد عليه لاحقاً بضغط لاسترداد هذه الأموال واصفاً إياها بأنها أُخذت ظلمًا ثم دعم بقوة التظاهرات الشعبية التي انطلقت ضد الرئيس محمد مرسي ولعب دوراً بارزاً كمعارض ومالك لقناة “أون تي في” التي تصدرت المشهد الإعلامي لتغطية ودعم مسار 30 يونيو 2013 الذي أدى لإنهاء حكم مرسي.
ولو توقفت رحلة نجيب ساويرس عند حدود المال لكان رجل أعمال ناجح فقط لكن حضوره امتد إلى مجالات أخرى تتجاوز الربح والخسارة فقد أسس وعائلته مؤسسة ساويرس للتنمية الاجتماعية التي أصبحت واحدة من أبرز مؤسسات العمل التنموي بمصر حيث تعمل على تمكين الفئات الأكثر احتياجاً ودعم المشروعات الصغيرة وريادة الأعمال والمساهمة بالتعليم والتنمية المستدامة بالإضافة لدورها الثقافي البارز عبر جائزة ساويرس الثقافية التي تحولت لأحد أهم الجوائز الأدبية العربية ونجحت باكتشاف عشرات المواهب الشابة ومنحت المبدعين منصة حقيقية للظهور حتى أصبحت الجائزة موعد سنوي ينتظره الوسط الثقافي باهتمام بالغ كما لا يمكن إغفال ما تقدمه شركاته عبر برامج المسؤولية المجتمعية التي أسهمت عبر السنوات بتوجيه مئات الملايين لدعم المستشفيات والمؤسسات الخيرية والمبادرات التنموية ومنظمات المجتمع المدني انطلاقا من قناعة بأن نجاح الشركات لا يكتمل إلا إذا انعكس أثره على المجتمع الذي نشأت فيه.
ولعل أكثر ما استوقفني أيضاً هو عدم اكتفاء نجيب ساويرس بدعم التنمية بل اختار أيضاً الحضور بمعركة الوعي والثقافة عبر عضويته البارزة بمجلس أمناء مؤسسة فاروق حسني للثقافة والفنون حيث يشغل منصب نائب رئيس مجلس الأمناء وأرى أن وجود رجل أعمال بهذا الحجم بمؤسسة ثقافية ليس مجرد منصب شرفي بل رسالة عميقة مفادها أن الثقافة ليست ترفا وإنما أحد أعمدة بناء الأمم وقد أخبرني الوزير الفنان فاروق حسني خلال أحد اللقاءات أنه عرض عليه عدة مرات تقديم دعم مالي للمؤسسة لكنه رفض ذلك مؤكداً أن القيمة الحقيقية تكمن بوجود شخصية بحجم نجيب ساويرس مؤمنة بالفكرة ومساندة لها وحاضرة بقيمتها المعنوية قبل أي قيمة أخرى وأحسب أن هذه الواقعة درس بليغ فليست كل أشكال الدعم تقاس بالأرقام فثمة رجال يكون حضورهم نفسه دعماً للمشروع ورسالة ثقة به.
ولم يتوقف حضوره عند الاقتصاد والثقافة والعمل التنموي بل امتد أيضاً للرياضة حين دخل عالم كرة القدم باستثمارات واضحة مؤمنناً بأن الرياضة لم تعد مجرد منافسة داخل المستطيل الأخضر بل أصبحت صناعة متكاملة واقتصاد قائم بذاته وأداة لاكتشاف المواهب وصناعة الأمل لدى الشباب فجاءت تجربته بامتلاك أحد أندية كرة القدم لتؤكد مرة أخرى أنه ينظر للاستثمار بوصفه نشاط مالي محدود وإنما باعتباره وسيلة للمشاركة ببناء المجتمع عبر عدة بوابات وأن رجل الأعمال الحقيقي لا يحصر أثره بالميزانيات والقوائم المالية بل يترك بصمته أينما وجد فرصة لإضافة قيمة حقيقية.
ولا يمكن الحديث عن نجيب ساويرس دون التوقف أمام الإسهام الوطني الذي قدمته شركات مجموعة أوراسكوم ببناء البنية الأساسية وهي المهمة التي غالبا ما تحظى باهتمام قليل رغم أنها تمثل العمود الفقري لأي نهضة اقتصادية فعلى امتداد سنوات طويلة شاركت شركات المجموعة بتنفيذ مشروعات كبرى بمجالات الطرق والكباري والأنفاق ومحطات الكهرباء والطاقة وشبكات المياه والصرف الصحي والمنشآت الصناعية والموانئ والمطارات والمرافق العامة بالإضافة للمشروعات العمرانية والتنموية داخل مصر وخارجها مستعينة بآلاف المهندسين والفنيين والعمال المصريين الذين نقلوا خبراتهم لمختلف أنحاء العالم.
ولم تكن هذه المشروعات مجرد عقود تجارية بل كانت جزءً من معركة بناء الدولة الحديثة التي لا تقوم على جهود الحكومة وحدها وإنما على شراكة حقيقية بين الدولة والقطاع الخاص الوطني كل يؤدي دوره ضمن إطار المسؤولية والكفاءة. ومن هنا فإن تجربة أوراسكوم تؤكد أن رجل الأعمال الحقيقي لا يُقاس فقط بما يحققه من أرباح ولكن أيضاً بما يتركه من طرق يسلكها الناس ومحطات تنير المدن ومرافق تخدم ملايين المواطنين وفرص عمل تحفظ كرامة الأسر وخبرات وطنية تتراكم عامًا بعد عام.
وحين يصبح الاستثمار وسيلة لبناء الوطن قبل تحقيق العائد فإن الاقتصاد يرتقي ليصبح رسالة وطنية وهي الرسالة التي أدركها نجيب ساويرس مبكرً وكانت حاضرة بكثيرٍ من مشروعات التنمية التي أسهمت بتغيير وجه مصر وتعزيز قدرتها على بناء مستقبل بثقة واقتدار.
وأنا الآن أكتب هذه السطور لا أبحث عن تلميع صورة رجل فكل إنسان له ما له وعليه ما عليه ولكنني أبحث عن قيمة غائبة بمجتمعاتنا وهي قيمة دراسة النجاح لقد أصبحنا بارعين بنقد الناجحين وضعفاء بفهمهم ونسأل دائماً: كم يمتلك؟ ولا نسأل: كيف فكر؟ كيف اتخذ قراره؟ كيف واجه خسائره؟ كيف نهض بعد تعثراته؟ كيف سبق الآخرين لما لم يرونه؟
Aحسب أنّ هذه هي القضية التي تستحق الانشغال بها فالشباب المصري يحتاج ليعلم أنّ الجرأة ليست تهوراً وأن المخاطرة ليست مقامرة وأن النجاح غالبا يولد خارج الأماكن المريحة حيث يتراجع الأكثرون ويتقدم القليلون.
لقد علمتنا التاريخ أنّ الأمم التي تكتفي بتوزيع الثروة ولا تهتم بصناعة الثروة تبقى أسيرة لما ينتجه الآخرون أما الأمم التي تدرس تجارب بناة الاقتصاد وتحولها لمناهج جامعية وقصص تُقرأ للشباب فهي القادرة على إنجاب رجال يُضيفون لرصيدها الاقتصادي والحضاري بكل جيل.
لذلك فإنني أكتب عن نجيب ساويرس ليس بوصفهِ رجلاً جمع مليارات الدولارات فهذا أمر يعرفه الجميع إنما لأني أكتب عنه لأنه قدّم نموذجاً مصرياً تجاوز حدود الجغرافيا وجلس بمائدة القرار الاقتصادي بالعواصم العالمية وطرق أبواب مغلقة ودخل أسواق اعتبر الكثيرون دخولها ضرباَ من الجنون وأثبت أنّ الجرأة عندما تقترن بالعلم والإدارة والرؤية قد تصنع ما يعجز عنه رأس المال وحده.

