في الوقت الذي تتعاظم فيه التحديات وتتطلب المجتمعات قيادة واعية وكفاءات عالية لإدارة مؤسساتها، نُفاجأ بواقع مؤلم يتمثل في شغل مناصب قيادية ومواقع مؤثرة من قِبل أفراد يفتقرون إلى أبسط مقومات الكفاءة، لا لشيء سوى أنهم وصلوا إليها عبر “الانتخاب” أو “التوازنات”، وليس عن طريق الجدارة والاستحقاق.
تُعد هذه الأزمة أكثر خطورة لأنها لا تقتصر على مؤسسة دون أخرى، ولا على قطاع بعينه. فهي تشمل النقابات والبرلمانات وبعض الأحزاب، وحتى الإعلام والفضائيات. لم نعد نندهش من صعود “الزمارين والمهرتلين والطبالين” إلى واجهة المشهد العام، بينما تُقصى الكفاءات الجادة التي لا تجيد التصفيق ولا تجامل على حساب الوطن.

المشكلة ليست في الانتخابات فقط؛ يعتقد البعض أن الانتخابات تشكل ضمانة ديمقراطية كافية لتصعيد الأفضل، لكن التجربة تُثبت أن الانتخابات بلا معايير مسبقة تتحول إلى مسرح شعبوي يتصدره من يملك المال أو الصوت العالي أو القدرة على الحشد، وليس من يمتلك الرؤية والقدرة على الأداء.
حتى بعض المناصب التي تُشغل بالتعيين لا تخلو من المحاباة أو الترضيات أو توازنات المصالح، مما يؤدي إلى مشهد عبثي لمناصب تُدار بالعشوائية، تُهدر فيها الطاقات وتُعطل التنمية وتُكافأ فيها الرداءة على حساب الجدارة.

الكارثة تكمن في غياب “معايير الاختيار”؛ إن السماح لغير المؤهلين بتصدر المشهد هو انتحار إداري وإهدار سياسي وخيانة مجتمعية.
الحل لا يكمن في إلغاء الانتخابات بل في وضع أُطر لها بمقاييس حاكمة تمامًا، كما لا يكمن الحل في تقليص سلطة التعيين بل في تحصينها من الانحراف عبر نظم محكمة للاختيار.

لن نخرج من هذه الدوامة إلا إذا:
* وُضعت شروط علمية وسلوكية وخبراتية مسبقة لا يجوز تجاوزها للترشح أو التعيين في أي منصب عام أو مؤسسي.
* خضع المرشحون لآلية تقييم حقيقية تشمل اختبارات تحليل شخصية واختبارات مهنية وتدقيقًا في السيرة الذاتية.
* تمت المحاسبة على الثقافة والممارسة، وليس مجرد شعار يُرفع وقت الأزمات ثم يُطوى مع الوقت.
* أعيد الاعتبار إلى أهل الكفاءة والخبرة بدلًا من أهل الولاء أو الدعاية أو العلاقات.

الكفاءة ليست رفاهية بل أولوية وطنية؛ حين يُدار الوطن بعقول صلبة وخبرات مخلصة وضمائر حية تنهض الأمم. وحين يُدار بالترضيات والمجاملات تغرق البلاد في الفوضى والانحدار.
الانتخاب لا يعفي من المسؤولية والتعيين لا يبرر الفشل؛ فكلاهما بحاجة إلى إصلاح جوهري يبدأ بوضع معايير صارمة تضمن أن يتولى كل موقع من هو أهل له بحق. وما لم نتحرك لتغيير هذه المنظومة المختلة فسنظل نعاني من قرارات هشة وإدارات مرتعشة ومناصب محتلة وكفاءات مهمشة ونتائج ضعيفة وغير مُرضية.