لم يسبق لي أن تعرفت على المهندس نجيب ساويرس معرفة شخصية، ولم أجلس إليه يومًا في مجلس، ولم تجمعني به مائدة، ولم أصافحه في مناسبة، ولم أتبادل معه حديثًا عابرًا، ولم أطرق بابه طالبًا منفعة، ولم يطرق بابي طالبًا رأيًا، ولا تربطني به صداقة، ولا تجمعني به شراكة، ولا يدفعني إلى الكتابة عنه دين مودة، ولا يحملني عليها خصام.

وربما كانت هذه المسافة بين الكاتب ومن يكتب عنه هي أجمل ما في الأمر؛ لأنها تترك للعقل حريته، وللقلم نزاهته. فلا يكتب بلسان المجاملة أو بمرارة الخصومة، وإنما يكتب بعين الباحث الذي يرى في بعض الرجال ظواهر تستحق التأمل حتى وإن اختلف معهم في بعض الرؤى أو المواقف.

لقد تعلمت بعد سنوات طويلة من القراءة أن الأمم لا تُقاس فقط بما أنجبته من قادة وسياسيين وعلماء وأدباء، وإنما تُقاس أيضًا بما أنجبته من رجال استطاعوا تحويل فكرة صغيرة إلى مؤسسة ومؤسسة إلى إمبراطورية وإمبراطورية إلى مدرسة في الإدارة وصناعة القرار. ولهذا فإن الدول الكبرى لا تكتفي بتسجيل أسماء رجال الأعمال في قوائم الأثرياء، بل تجعل من تجاربهم مناهج تُدرَّس في الجامعات؛ لأن الثروة ليست مجرد أموال، وإنما طريقة تفكير ومنهج في قراءة المستقبل وقدرة على رؤية ما لا يراه الآخرون.

ولعل أكبر خطأ نقع فيه نحن أبناء هذه المنطقة هو أننا نتعامل مع رجل الأعمال بعاطفة لا بعقل. فإن أحببناه جعلناه بطلًا لا يخطئ وإن اختلفنا معه جعلناه متهمًا في كل شيء. أما القراءة المنصفة فتقتضي أن نفصل بين الإنسان وتجربته وبين الرأي الذي قد نتفق أو نختلف معه وبين الإنجاز الذي لا يجوز إنكاره. ومن هذا الباب أكتب عن نجيب ساويرس.

قد يتساءل القارئ: لماذا أكتب عن نجيب ساويرس الآن؟ والإجابة ببساطة هي: لا لأنني أتبنى كل آرائه أو أتوافق معه في كل مواقفه، وإنما لأنني أرى في رحلته الاقتصادية واحدة من أكثر الرحلات المصرية جرأة خلال العقود الأخيرة.

خلال الفترة الأخيرة وجدت نفسي أعود إلى مراجعة رحلته العملية بتأنٍ؛ ليس بدافع الفضول وإنما بدافع البحث عن تجربة مصرية تستحق أن تُقرأ بعين الباحث لا بعين المنبهر أو الخصم. قرأت عن بداياته وتأملت انتقالاته بين القطاعات وتتبعت مغامراته الاستثمارية في أصعب أسواق العالم. فوجدت أمامي مسيرة لا تخلو من نجاحات لافتة وتحديات جسيمة وإخفاقات دفعت ثمن الجرأة قبل أن تمنح صاحبها ثمارها.

لم أكتفِ بقراءة سيرته الاقتصادية بل تابعت حضوره على منصة “إكس” حيث وجدت رجلًا يعبر عما يعتقده بصراحة قد يصيب وقد يخطئ لكنه لا يختبئ خلف العبارات المائعة ولا يلجأ للصمت خوفًا من ردود الأفعال. والأكثر إثارة للتأمل أن كثيرًا من الردود التي تُوجَّه إليه لا تمت بصلة إلى أدب الحوار بل تنحدر أحيانًا إلى مستويات مؤسفة من التجريح والإساءة الشخصية. ومع ذلك لم أره يغلق حسابه أو يهرب من المنصة أو ينحدر للرد بنفس اللغة. وكأنه يؤمن بحق أو باجتهاد بأن من اختار الحديث إلى الناس علنًا عليه تحمل ضريبة آرائه ومواقفه وأن يدفع ثمنها بصبر واتزان. وهذه ليست مجرد سمة في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بل ملمح من ملامح الشخصية التي تقبل كلفة التعبير عن الرأي مهما كان حجم الاتفاق أو الاختلاف معها.

وُلد الرجل وفي يده مفتاح بيت ثري نعم لكنه لم يولد وفي يده مفاتيح النجاح وهذه حقيقة يغفل عنها كثيرون. فالميراث قد يمنح الإنسان رأس المال لكنه لا يمنحه الرؤية ولا الجرأة ولا القدرة على اتخاذ القرار حين يتردد الجميع. والتاريخ الاقتصادي مليء بأبناء أثرياء ضاعت ثرواتهم لأنهم ورثوا المال ولم يرثوا القدرة على تنميته كما أنه مليء برجال بدأوا من الصفر وصنعوا إمبراطوريات. لذلك فإن اختزال تجربة نجيب ساويرس في كونه ابن المهندس أنسي ساويرس ظلم للرجل قبل أن يكون ظلمًا للحقيقة.

لقد كان أنسي ساويرس أحد بناة الاقتصاد المصري الحديث وأسس مجموعة أوراسكوم التي أصبحت اسمًا عالميًا في المقاولات والإنشاءات غير أن الابن لم يكتف بالسير على نفس الطريق بل اختار طريقاً لم يكن واضحاً لأحد آنذاك. ففي نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات بينما كانت أعين المستثمرين تتجه نحو الأسمنت والحديد والعقارات كانت عين نجيب ساويرس تتطلع إلى قطاع آخر لم يكن قد انفجر بعد لكنه كان يحمل بداخله ملامح ثورة عالمية قادمة وهو قطاع الاتصالات. فأنشأ قطاعاً للتكنولوجيا والاتصالات داخل مجموعة والده وتوسع هذا القطاع لاحقاً ليضم وكالات عالمية وشركات متخصصة في خدمات الإنترنت والاتصالات.

كانت تلك السنوات هي اللحظة التي بدأ فيها الهاتف المحمول يتحول من جهاز فاخر يحمله رجال الأعمال إلى وسيلة اتصال ستدخل كل بيت وكل يد وكل جيب. ولم يكن هذا واضحاً للجميع لكن ساويرس قرأ المستقبل قبل وصوله وهي ميزة لا يمتلكها إلا قلة من المستثمرين؛ فالمستثمر العادي يرى السوق كما هي أما المستثمر الاستثنائي فيرى السوق كما ستكون بعد عشر سنوات.

ومن هنا بدأت أوراسكوم تيليكوم رحلتها؛ لم تبدأ عملاقة ولم تكن تنافس شركات العالم الكبرى لكنها كانت تمتلك شيئاً أخطر من رأس المال وهو الجرأة على دخول الأسواق التي يخشاها الآخرون. ولهذا لم يكن اهتمامها مُنصباً على أوروبا الغربية أو الولايات المتحدة حيث المنافسة شرسة والأسواق مشبعة بل اتجهت إلى الدول النامية والأسواق التي كان العالم ينظر إليها باعتبارها مناطق عالية المخاطر. وهناك بدأت الحكاية الحقيقية.

دخلت الجزائر ثم تونس ثم باكستان ثم بنجلاديش ثم العراق بعد الحرب ودخلت دولاً إفريقية كثيرة حتى أصبحت أوراسكوم خلال سنوات قليلة واحدة من أكبر شركات الاتصالات العاملة في الأسواق الناشئة بالعالم وكان سر النجاح بسيطاً في ظاهره عميقاً في جوهره؛ إذ كان ساويرس يردد في أكثر من لقاء أن السوق التي يخشاها الجميع قد تكون هي السوق التي تصنع الثروة الحقيقية لأن المنافسة فيها أقل والفرصة أكبر إذا امتلك المستثمر القدرة على فهمها والصبر عليها.

وهنا بدأت ألاحظ شيئاً لافتاً في شخصية الرجل فهو لا يبدو من النوع الذي يبحث عن النجاح السهل بل يكاد ينزلق نحو التحديات كما ينزلق البحار نحو البحر الهائج؛ فكلما ازدادت المخاطر ازداد فضوله وكلما أغلق العالم بابا حاول هو معرفة ما يوجد خلفه وربما لهذا السبب لم تكن مغامرته الكبرى في كوريا الشمالية حادث عارض ضمن سيرته بل كانت نتيجة طبيعية لطريقة تفكيره.

فإذا كانت الشركات العالمية تتنافس على نيويورك ولندن وباريس وطوكيو فإن نجيب ساويرس كان ينظر إلى بيونغ يانغ؛ المدينة التي لم يكن كثيرٌ من رجال الأعمال يجرؤون حتى على التفكير بالاستثمار فيها ولم يكن ذلك حباً بالمغامرة لأجل المغامرة وإنما لأنه كان يرى أن السوق البكر مهما كانت صعبة قد تكون أثمن من سوق مزدحمة بعشرات المنافسين.

وهكذا بدأ طرق الباب الذي لم يُطرقه إلا قلة قليلة من رجال الأعمال حول العالم غير مدرك أنه سيمنحه مكاناً فريداً في تاريخ الاستثمار العالمي وسيجعله يجلس وجهًا لوجه مع أكثر الأنظمة السياسية انغلاقا على وجه الأرض بتجربة تُدرَّس حتى اليوم باعتبارها واحدةً من أكثر التجارب الاستثمارية جرأةً خلال القرن الحادي والعشرين.

لم تكن كوريا الشمالية بالنسبة لنجيب ساويرس مجرد نقطة جديدة على خريطة استثماراته بل كانت اختبارا لفلسفة آمن بها طوال حياته وهي أن العالم لا ينقسم إلى أسواق جيدة وأسواق سيئة وإنما إلى أسواق يفهمها الجميع وأسواق لا يفهمها إلا القليل. أما المستثمر الذي يسير دائماً خلف الآخرين فلن يصل أبداً إلا لما وصلوا إليه بينما الذي يجرؤ على الذهاب أولاً فقد يخسر كثيرًا لكن إذا نجح ربح ما لا يستطيع الآخرون اللحاق به.

كان العالم ينظر إلى كوريا الشمالية بوصفها أكثر دول الأرض انغلاقا دولةً لا يعرف المستثمر كيف تُتخذ القرارات فيها ولا كيف تُصاغ القوانين ولا كيف تتحرك الأموال ولا كيف تُحل النزاعات التجارية دولة تكاد تكون معزولة عن النظام المالي العالمي وتخضع لعقوبات سياسية واقتصادية ويحيط بها الغموض أكثر مما يحاط بأي سوق أخرى ولهذا لم يكن غريبًا تجنب المستثمرين لها واعتبار كثير منهم مجرد التفكير فيها نوعا من المغامرة غير المحسوبة.

أما نجيب ساويرس فقد قرأ المشهد بطريقة أخرى ولم ينظر لما تملكه الدولة وإنما لما ينقصها ورأى أن عشرات الملايين يعيشون بعيداً عن الثورة الرقمية التي اجتاحت العالم وأن الاتصالات ليست ترفا بل لغة العصر وأن الدولة مهما كانت طبيعة نظامها ستحتاج أخيراً لبنية تحتية حديثة للاتصالات ومن هنا بدأت المفاوضات التي انتهت بحصول أوراسكوم على ترخيص إنشاء وتشغيل أول شبكة للهاتف المحمول الجيل الثالث بكوريا الشمالية عبر شركة “كوريولينك” بخطوة أدهشت الدوائر الاقتصادية العالمية لأنها بدت أقرب للمستحيل منها للمشروع التجاري.

لم تكن المغامرة مجرد توقيع عقد بل كانت دخولاً لعالمٍ مختلف تمامًا وكان على الشركة بناء الشبكات وإنشاء المحطات وتدريب الكوادر والتعامل مع منظومة إدارية وسياسية تختلف جذريًا عما عرفته سابقا وكان يجب على المستثمر المصري بناء علاقة ثقة مع دولة لا تمنح ثقتها بسهولة.

وخلال تلك السنوات التقى نجيب ساويرس بالزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ خلال لقاءات أصبحت نادرةً بعالم الاقتصاد لأن قليل جداً من رجال الأعمال حول العالم أتيحت لهم فرصة الجلوس مع قائد كوريا الشمالية لمناقشة مشروع اقتصادي بهذا الحجم ولم يكن اللقاء بروتوكولياً عابراً بل انعكس الأهمية الكبيرة للمشروع بالنسبة للدولة الكورية والتي رأت بالاتصالات الحديثة نافذة ضرورية نحو المستقبل وإن بقيت تلك النافذة محكومة بضوابط خاصة بها.

زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ.