عرفه علام.
الأربعاء 22/يوليو/2026 – 01:36 م .
رجل فقد عقله من المرض فوقف يرقص في الشارع.. 5 ملايين مشاهدة.
طفلة فقيرة تبكي لأنها لم تجد حذاء للعيد.. 2 مليون لايك. فتاة تحترق في منزلها ورجل يتدلى هربا من النار ترفع عشرات الكاميرات.
شيخ وقع فانكشفت عورته.. آلاف التعليقات. نحن لم نعد نصور الواقع.. بل نصطاد الضعف لنصوره. تحولنا من أمة “تستر العورة وترحم الضعيف وتواسي المنكسر وتنقذ المنكوب” إلى أمة “تفضح الضعف وتتربح منه” وتصور الحادث بدل المساعدة والإنقاذ.
وصار الإنسان الساقط “تريند”، وصار الستر “تخلف”؟ أصبح مرض العصر السخرية من الضعف ومن المبتلي. الضعف صار مادة إعلامية دسمة لكل مريض.
كنا نخفي الفقير، ونطعم الجائع، ونستر المجنون. اليوم نبحث عنه بالكاميرا. نلاحقه في الشارع، وفي المواصلات، في السوق وفي بيته أحياناً لأن “الفيديو الغريب” يأتي بالربح والمال أكثر من “الفيديو المفيد”.
غريب أن نضحك على ما سنبكي عليه غداً. ربما تسخر من رجل مريض أو فقير اليوم، وغداً قد يصيبك اكتئاب فيسخر منك ابنك.
تسخر من الشيخ الذي نسى اسمه؟ غداً ستنسى أنت اسمك. وقد تصبح نفس المادة التي صنعتها اليوم.
يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم” .. قانون إلهي، لا قانون فيسبوك ولا ميثاق إعلامي.
لماذا القسوة أصبحت خفة دم وفكاهة ثقيلة؟ صارت القلوب حجراً، والألسن سياطاً لا ترحم ضعيف أو فقير أو مضطر. ومن لا يرحم لا يُرحم. ومن يضحك على دمعة، سيبكي دون أن يتعاطف معه أحد.
جريمة التصوير وبيع الخصوصية بالجملة إنعدام دين وضمير غابة. الكاميرا اليوم أخطر من السكين. السكين تجرح الجسد، والكاميرا تجرح الروح وتفضحه أمام العالم كله.
فتاة وقعت من التوكتوك، بدل أن نسترها، صورنا فستانها وجعلناها مادة للتربح والضحك والسخرية. رجل فقد الوعي، بدل أن نغطيه، صورنا وجهه وقررنا وفاته بدل إنقاذه ونشرنا في جميع المواقع والصفحات التي يديرها المنتفعون.
أي وحشية هذه؟ هل يكون الترند على جثة أو عرض أو عورة؟ إذن كيف وصلنا لهذه الدرجة من القسوة؟
الشاب يبحث عن “محتوى” فلا يجد أسهل من “إنسان ضعيف أو فتاة محترقة أو شيخ وهن جسده”. لا يحتاج إعداد، ولا كتابة، ولا موهبة. فقط انتظر حتى يسقط أحد حتى تصوره.
فصار الضعيف والمنكوب والمبتلي هو للأسف الممثل المجاني في مسرحية قسوتنا وجنازة ضمائرنا. حتى الأطفال أصبحت تتعلم منا القسوة.
الإبن يرى الأب يضحك لفيديو تافه به من يحتاج الستر أو المساعدة فيتعلم أن الضعيف نكتة ليتنمر غداً في مدرسته على زميله السمين أو الأعرج أو الفقير أو المريض لأن الأب كان بالأمس قدوته في هذه القسوة.
إن ثمن هذا الإنحطاط ندفعه بخسارة إنسانيتنا. الإنسان الحقي يرى ضعيفاً فيستره لا يراه فينشره.
فأين الإنسانية في هذا؟ هل أنت حساب للتوثيق؟
لا يجب أن نخسر البركة فمن ستر مسلماً ستره الله ومن تتبع عورات الناس تتبع الله عورته فيفضحه في عقر داره.
كم فيديو فضحت فيه إنساناً فسلط الله عليك من يفضحك بعدها فالجزاء من جنس العمل.
نحن نخسر مجتمعاً آمناً مطمئناً بتصوير الضعيف والمبتلي ونجعل الكل خائف وغير آمن فيصبح مجتمع بالكامل مصاب بمرض صنعه نسيجه بنفسه. الفقير خائف يخرج، والمريض خائف يتعالج، والكبير خائف يقع.
فنتحول إلى غابة: القوي يصور والضعيف يختبئ.
لو أردنا أن نعود بشراً فلنبدأ بعهود ونية صادقة فنستر فوراً وننقذ أولاً ونحذف ولا ننشر.
رأيت إنساناً في موقف ضعف الكاميرا لأسفل فوراً. ما تكره أن يُصورك به الضعفاء، لا تصور به غيرك.
احذف الفيديو.. فحذفك له صدقة جارية تستر بها عبدًا. ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء
رأيت عجوزاً وقع ارفعه بدلاً من تصويره. رأيت طفلاً يبكي سأله ما يبكيه وكن له نجاة. رأيت مختلاً تائهاً دله بدلاً من جعله مادة سخرية وضحك
كن إنساناً قبل أن تكون صانع محتوى
قاطِع القسوة ولا تشاهد ولا تعلق ولا تنشر
الفيديو القذر لا ينتشر إلا بك وبيدك ولن يراه أحد إلا بضميرك
لا تتفاعل مع هذه القاذورات المنتشرة.
لو كلنا قاطعنا فيديوهات الفضائح سيموت تجار الضعف من الجوع
علموا أبنائكم الرحمة والحب ومساعدة المحتاجين
علموهم أن الرجولة هي أن تستر، لا أن تفضح؛ أن ترفع شيخاً سقط، لا أن تضحك؛ سوف نُسأل على ضحكاتنا على دمعة أحدهم
الكاميرا التي في يدك يمكن أن تكون حسنات أو جبلًا من السيئات
الشيخ الذي سخرت منه هو أبوك بعد 40 سنة؛ الطفلة التي فضحتها هي ابنتك بعد 20 سنة؛ المجنون الذي صورته قد يكون أنت إذا ابتلاك الله
واليوم أنت تصور.. وغداً أنت المُصوَّر والمادة الضاحكة؛ اليوم أنت تضحك وغداً أنت المبكي
فاستروا الناس يستركم الله.

