أفاد خبراء اقتصاديون بأن استمرار التوترات في البحر الأحمر وتوسع الصراع في المنطقة قد يدفع أسعار النفط إلى موجة جديدة من الارتفاع، خاصة إذا تعطل أحد الممرات البحرية الرئيسية لتجارة الطاقة. كما ستمتد التداعيات إلى زيادة تكاليف الشحن والتأمين، مما يضغط على إيرادات قناة السويس ويعزز الضغوط التضخمية عالميًا.
وأوضح الخبراء في تصريحات لـ”مصراوي” أن مسار أسعار النفط خلال الفترة المقبلة سيظل مرهونًا بتطورات الأوضاع الجيوسياسية وحجم التأثير الفعلي على تدفقات الخام، وليس بالتوترات العسكرية وحدها. وأكدوا أن أي تعطيل لحركة الملاحة في مضيق باب المندب أو مضيق هرمز قد يغير خريطة الإمدادات العالمية ويعيد الأسعار إلى مستويات مرتفعة.
جاء ذلك بالتزامن مع تقرير لوكالة رويترز، الذي أشار إلى أن نجاح جماعة الحوثي في إغلاق مضيق باب المندب قد يؤدي إلى اضطراب أحد أهم ممرات شحن النفط في العالم، مما سيرفع أسعار الخام ويعطل إمدادات الوقود ويزيد الضغوط على الاقتصاد العالمي.
أسعار النفط تتأثر بتعطل الإمدادات وليس التوترات
قال الدكتور خالد الشافعي، رئيس مركز العاصمة للدراسات الاقتصادية، إن استمرار التوترات في البحر الأحمر والحصار البحري الذي تفرضه جماعة الحوثي يفرض ضغوطًا على أسواق الطاقة العالمية، كما يؤثر بشكل مباشر على إيرادات قناة السويس. لكن آليات التأثير تختلف بين الملفين.
وأوضح أن أسعار النفط لا ترتفع بصورة حادة ومستدامة لمجرد التوترات العسكرية، بل يرتبط ذلك بحدوث انقطاع فعلي في الإمدادات العالمية. ومع ذلك، فإن تهديد الملاحة في مضيق باب المندب يدفع شركات الشحن وناقلات النفط إلى تغيير مساراتها عبر رأس الرجاء الصالح، ما يطيل زمن الرحلات بنحو 10 إلى 14 يومًا.
وأضاف الشافعي أن هذا التحول يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين واستهلاك الوقود، وهو ما يضيف ما يعرف بـ”علاوة المخاطر الجيوسياسية” إلى أسعار النفط. وبالتالي تظل الأسعار مرتفعة أو تتراجع بوتيرة أبطأ حتى مع ضعف الطلب العالمي.
وفي السياق ذاته، أوضحت رويترز أن إغلاق المدخل الجنوبي للبحر الأحمر سيقطع الطريق البديل الذي تعتمد عليه السعودية لتصدير النفط بعيدًا عن مضيق هرمز، مما يزيد المخاوف من نقص الإمدادات العالمية.
ونقلت الوكالة عن شركة إنرجي أسبكتس أن استئناف الحوثيين لهجماتهم البحرية وإغلاق باب المندب فعليًا سيكون عاملًا رئيسيًا يدفع أسعار النفط نحو مزيد من الارتفاع. فيما رجح رئيس شركة ستراتاس أدفايزرز أن تعود الأسعار إلى نطاق 115-120 دولارًا للبرميل إذا تعطلت تدفقات النفط عبر الممر.
وأشار الشافعي إلى أن قناة السويس تعد الأكثر تضررًا من هذه التطورات. إذ دفعت المخاطر الأمنية العديد من شركات الشحن العالمية وناقلات الحاويات والنفط إلى تجنب المرور عبر البحر الأحمر والقناة والبحث عن طرق بديلة.
وذكر تقرير رويترز أن التأثير الأكبر سيقع على صادرات النفط السعودية من ميناء ينبع على البحر الأحمر. إذ قد تضطر الناقلات إلى الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، مما يطيل زمن الرحلة ويرفع تكاليف الشحن والتأمين.
وبحسب شركة كبلر، قد تواجه مصافي التكرير الآسيوية تأخيرًا يصل إلى شهر كامل في استلام شحنات النفط السعودي. بينما قد يضطر أكثر من 3 ملايين برميل يوميًا من الخام السعودي المتجه نحو آسيا إلى سلوك مسارات بحرية أطول، مما قد يؤدي لخلق اختناقات لوجستية في سوق النفط العالمية.
ولفت الشافعي إلى أن هذا التحول أدى بالفعل لتراجع حركة السفن العابرة لقناة السويس بنسبة تراوحت بين 50% و70% خلال فترات التصعيد. وهو ما انعكس سلبًا على إيرادات مصر من النقد الأجنبي متسببًا بخسائر تقدر بمئات الملايين من الدولارات شهريًا نتيجة انخفاض رسوم العبور. مؤكدًا أن استمرار التوترات في المنطقة يبقى أحد أبرز التحديات أمام تعافي إيرادات القناة خلال الفترة المقبلة.
وأشارت بيانات كبلر وفقاً لتقرير رويترز، إلى أن السعودية صدّرت منذ أبريل الماضي أكثر من 4.5 مليون برميل يوميًا من النفط الخام والوقود عبر ميناء ينبع، توجه نحو 70% منها للأسواق الآسيوية، مما يبرز حجم التأثير المحتمل لأي تعطيل لحركة الملاحة في باب المندب.
كما أشار التقرير إلى أن تداعيات الإغلاق لن تقتصر على النفط الخام بل ستمتد أيضًا للمنتجات البترولية المكررة. إذ قفزت هوامش تكرير الديزل في أوروبا لمستويات قياسية وسط توقعات بارتفاع تكاليف النقل والتأمين. مما قد يزيد الضغوط التضخمية عالميًا.
تجاوز سعر النفط 100 دولار وارد بشروط
قال الدكتور أحمد معطي، الخبير الاقتصادي، إن أسعار النفط تأثرت بالفعل بتجدد الحرب في المنطقة إذ عادت للارتفاع فوق 90 دولارًا للبرميل بعدما كانت قد تراجعت لنحو 80 دولارًا عقب فترة من الهدوء.
وأضاف أنه إذا استمرت الحرب لفترة أطول فقد يدفع خام برنت لتجاوز 100 دولار للبرميل. مشيرًا إلى أن معظم المؤسسات الدولية عادت لتبني هذا السيناريو مع تصاعد التوترات الجيوسياسية.
وأوضح معطي أنه لا يتوقع وصول الأسعار للمستويات القياسية التي جرى الحديث عنها في بداية الحرب عندما أشارت بعض التقديرات لإمكانية صعود النفط إلى 150 أو حتى 200 دولار للبرميل. مؤكدًا أن هذا السيناريو أصبح أقل ترجيحًا حاليًا.
وأرجع ذلك لأن الأسواق والدول المستوردة للطاقة أصبحت أكثر قدرة على التكيف مع الأزمات سواء عبر تنويع مصادر الإمدادات أو البحث عن مسارات بديلة لنقل النفط بالإضافة للتوسع في استخدام مصادر الطاقة البديلة.
وأشار معطي أيضًا إلى أن مضيق هرمز لا يزال يمثل شرياناً رئيسيًا لتجارة النفط العالمية وأي اضطراب في حركة الملاحة عبره سيكون له انعكاسات على الأسعار إلا أن تأثيره لن يكون بنفس الحدة التي كانت تتوقعها الأسواق في بداية الأزمة.
ولفت الانتباه بأن العديد من الدول عززت احتياطياتها النفطية خلال الفترة الماضية بينما تمتلك الولايات المتحدة والصين خيارات للتخفيف من آثار أي نقص محتمل بالإمدادات سواء عبر زيادة الاعتماد على الإنتاج المحلي أو تنويع مصادر الاستيراد مما يحد من احتمالات حدوث قفزات حادة بالأسعار.
وأكد معطي بأن أسعار النفط ستظل مرهونة بتطورات الحرب فإذا استمرت المواجهات أو اتسعت نطاقها فقد تشهد الأسواق موجة جديدة من الارتفاعات أما إذا تم الوصول لتهدئة فمن المرجح أن تتراجع الأسعار تدريجيًا مع انحسار علاوة المخاطر الجيوسياسية.

