لا شك أن تقدم الأمم والشعوب وبناء اقتصاداتها على أسسٍ صلبة، وتحقيق التحسين المستمر في الأداء الخدمي والإنتاجي والاستثماري، لا يأتي إلا من عواصف الأفكار والآراء التي يطلقها المفكرون والخبراء. كما أن نتائج البحوث العلمية والدراسات المقارنة والخبرات الدولية المتكاملة تلعب دورًا محوريًا في هذا السياق.

يتطلب هذا الأمر حوارًا رأسيًا وأفقيًا بين عيناتٍ كبرى تمثل المكون السكاني بشفافية وحيادية، حيث يتدرب أفرادها منذ مراحل التعليم الأولى على ثقافة الحوار وقبول الرأي والرأي الآخر.

ومع ذلك، أحدثت وسائل التواصل الاجتماعي حالة شقاقٍ عميقة، وأسهمت التيارات السياسية المبنية على أسسٍ عرقية أو دينية في تعميق هذا الشقاق. وقد أدى ذلك إلى ارتفاع معدل التكفير والاستعداء والاتهام لمن يختلفون في الآراء، مما خفض من مستوى الرؤية الموضوعية وزاد من الفرص الضائعة.

تكمن الأسباب الرئيسية في السياق المصري في خوارزميات المنصات الرقمية التي تفضل المحتوى المثير للجدل، مما يخلق غرف صدى تعزز الاستقطاب العاطفي. كما يستغل بعض الخطابات الهوياتية الفرعية للحشد، إلى جانب قصور بعض المناهج التعليمية عن تنمية التفكير النقدي والحوار، وضعف استقلالية بعض وسائل الإعلام التي تحولت إلى أداة توجيه. أما الفجوات الاقتصادية والاجتماعية، فتزيد من قابلية المجتمع لخطاب الكراهية.

في مصر، ساهم ذلك في انخفاض مؤشرات الثقة الاجتماعية وتأثيرٍ سلبيٍ على مناخ الاستثمار. حيث يرتبط الاستقطاب بانخفاض محتمل للاستثمار الأجنبي المباشر بنسب تصل إلى 1-2٪ من النمو وفقًا لبعض الدراسات الاقتصادية المقارنة. كما زادت الفرص الضائعة في مشاريع التنمية الأفريقية والتكامل الإقليمي، فضلاً عن التأثير على التماسك الاجتماعي والأداء الخدمي.

وبالتأكيد هناك تأثيرات كبيرة لذلك؛ حيث يؤدي الاستقطاب إلى تآكل الثقة الاجتماعية وشلل جزئي للسياسات العامة وهدر موارد في النزاعات غير المنتجة وهجرة بعض الكفاءات وتباطؤ الابتكار. وفي السياق المصري، ينعكس ذلك في فرص ضائعة في التجارة الأفريقية (AfCFTA)، وانخفاض محتمل في الإنتاجية وتحديات جذب الاستثمارات طويلة الأجل مما يؤثر على معدلات النمو الاقتصادي والتنمية المستدامة.

هناك دروس مستفادة من التجارب الدولية؛ فقد نجحت دول مثل رواندا (بعد الإبادة عام 1994) في تحقيق نمو اقتصادي يفوق 8٪ سنويًا عبر سياسة “أنا رواندي” والمصالحة والاستثمار في التعليم. وتتركز تجربة تونس عبر الحوار الوطني الرباعي (نوبل 2015) الذي منع الانزلاق إلى العنف. كذلك أيرلندا الشمالية باتفاق الجمعة العظيمة الذي جلب عائد سلام اقتصادي، وإندونيسيا من خلال فلسفة بانتشاسيلا للوحدة في التنوع وكولومبيا باتفاق 2016 الذي خفض بعض مؤشرات العنف وكندا بسياسة التعددية الثقافية التي عززت الاندماج والابتكار.

بالطبع هناك حلول عملية قابلة للتنفيذ تتركز حول:
– إصلاح التعليم: إدراج مناهج إلزامية للتفكير النقدي والحوار وقبول الآخر بدءاً من المرحلة الابتدائية مع تدريب المعلمين وتقييم النتائج سنويًا.
– تنظيم الإعلام ووسائل التواصل: تعزيز الإعلام العام المستقل وحملات التوعية الرقمية لمكافحة التضليل مع تطبيق قوانين متوازنة تحمي حرية التعبير وتجرم التحريض.
– منصات حوار وطنية: إنشاء لجان ومؤسسات مدنية دائمة (نقابات، جمعيات، لجان استشارية) تمثل مختلف المكونات لمناقشة القضايا الوطنية بشفافية.
– حملات توعية وطنية: برامج إعلامية ومجتمعية تعزز الهوية الجامعة والوحدة الوطنية مع التركيز على المشتركات الثقافية والاقتصادية.
– ربط التنمية بالحوار: تخصيص موارد لمشاريع تنموية مشتركة (مثل المبادرات الأفريقية) تشارك فيها أطراف متعددة لتعزيز التعاون العملي.
– قياس ومتابعة: اعتماد مؤشرات دورية للتماسك الاجتماعي والاستقطاب لتقييم التقدم وتعديل السياسات.

إن الطريق إلى التقدم يبدأ بإدراك أن الاختلاف ثروة لا تهديد ويتطلب إرادة سياسية ومجتمعية صادقة للاستثمار في التعليم والمؤسسات الحوارية. لذا فعلى مصر والدول العربية والأفريقية الاستفادة من هذه الدروس لتحويل الشقاق إلى قوة دافعة للتنمية المستدامة والازدهار المشترك. فالاختلاف ليس عائقًا بل محركًا للتقدم إذا أُدير بحوار علمي ومؤسسات عادلة.

ومعالجة الاستقطاب تتطلب إصلاح التعليم والإعلام وبناء منصات حوار وطنية. فالأمم القوية هي تلك التي تحول تعدد الآراء إلى وقود للتنمية لا إلى سبب للفرقة.