بين ركام غزة وتحت سماء مثقلة بالحرب، تبرز صور تعكس مشاهد ممنهجة من الدمار والاعتقال والتعتيم الإعلامي؛ جدار إسمنتي يتحول إلى رمز لـ”ثقب السجون الأسود”، وقضبان تحيط بظلال أسرى، فيما تعكس شاشات الأخبار الباهتة سياسة “النسيان الممنهج” التي تفرضها سلطات الاحتلال الإسرائيلي لتجنب جرائم الحرب التي ارتكبتها قواتها في القطاع المحاصر.

وفي هذا السياق، يطرح مقال نشرته صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية قراءة نقدية لما يصفه بـ”النسيان الممنهج” للحرب، معتبرًا أن تغييب النقاش حول الانتهاكات الإسرائيلية في غزة والمسؤولية عنها لا يعكس مجرد تحول في أولويات الرأي العام، بل يمثل آلية سياسية وإعلامية لإبعاد المساءلة.

ويستعرض المقال مجموعة من المعطيات المتعلقة بالخسائر البشرية لدى الفلسطينيين، والتحقيقات الدولية بشأن تورط قادة إسرائيليين في ارتكاب جرائم حرب، وأوضاع المعتقلين، محذرًا من تداعيات ذلك على المشهد السياسي والمجتمعي في إسرائيل مستقبلاً، وفقًا لما كتبه لي مردخاي، مؤسس منصة “بيرنج ويتنس غزة”، المعنية بأرشفة المعلومات والبيانات المتعلقة بالحرب والدمار والأزمة الإنسانية في غزة.

ارتكبت قوات الاحتلال الإسرائيلية جرائم حرب في قطاع غزة على مدى أكثر من عامين. ويقول مردخاي: تواجه إسرائيل دعوى أمام محكمة العدل الدولية في لاهاي بتهمة ارتكاب إبادة جماعية في غزة. وفي موازاة ذلك، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرات توقيف بحق رئيس الحكومة الإسرائيلي الحالي بنيامين نتنياهو، ووزير الحرب الإسرائيلي السابق يوآف جالانت، بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية. كذلك طلبت المحكمة أيضًا إصدار مذكرات توقيف سرية بحق كل من وزير المالية بتسلئيل سموتريتش ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير ووزيرة الاستيطان أوريت ستروك، فضلاً عن اثنين من العسكريين.

أرقام أقل من الواقع

وعلى صعيد الضحايا الفلسطينيين جراء حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة، يقول مردخاي: قتل أكثر من 73 ألف شخص في قطاع غزة، وأصيب أكثر من 173 ألفاً. وهذه الأرقام اعترف بها رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق هرتسي هليفي، الذي صرح بأن أكثر من 10% من سكان القطاع قتلوا أو أصيبوا.

ويضيف الكاتب: تشمل هذه الأرقام ما لا يقل عن 20 ألف طفل. وفي رأيي، تمثل هذه الأعداد تقديراً أقل من الواقع؛ فالعدد الحقيقي للوفيات ربما يكون أعلى. فقبل عامٍ واحدٍ، قدّرت صحيفة “هآرتس” عدد القتلى في قطاع غزة بنحو 100 ألف (نير حسون، 25 يونيو 2025)، قُتل أكثر من ألف منهم خلال فترة “وقف إطلاق النار” الحالية.

القتل بسلاح المساعدات الغذائية

وبالنسبة للمساعدات الغذائية، يقول مردخاي: لقد منعت إسرائيل إدخال المواد الغذائية إلى القطاع مدة شهرين ونصف الشهر؛ الأمر الذي أدى إلى وفاة مئات الفلسطينيين جوعًا. وعندما سمحت باستئناف دخول المساعدات، جرى ذلك عبر “مؤسسة غزة الإنسانية” وهي مبادرة إسرائيلية – أمريكية أسفرت عن مقتل نحو 2600 فلسطيني وإصابة نحو 20 ألفاً أثناء محاولتهم الحصول على الغذاء لعائلاتهم.

حجب الصوت الفلسطيني

إعلاميًا، يقول مردخاي: تسيطر إسرائيل على المعلومات الخارجة من قطاع غزة؛ إذ لم تسمح للصحفيين بدخول القطاع بصورة مستقلة منذ 33 شهرًا. والسبيل الوحيد للدخول هو عبر المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي الذي يحدد ما يمكن للصحفيين مشاهدته ويفرض عليهم عرض الصور التي يلتقطونها عليه.

ويضيف: كما تمنع الرقابة العسكرية حصول الإسرائيليين على صورة كاملة للواقع الذي يشكل حياتهم. وفي هذه الأثناء تظهر استطلاعات الرأي تبني الجمهور الإسرائيلي لمواقف متشددة؛ إذ أظهر استطلاع أجراه معهد “أكورد” أن 62% من الجمهور يعتقدون أنه لا يوجد أبرياء في غزة.

ثقب أسود يبتلع الأسرى الفلسطينيين

وفيما يتعلق بملف السجون الإسرائيلية يقول مردخاي إن نظام السجون الإسرائيلي أشبه بـ “ثقب أسود” يبتلع حياة من يدخله. وهناك أكثر من 4500 فلسطيني محتجزون ضمن إطار الاعتقال الإداري أو بموجب قانون “المقاتلين غير الشرعيين” وهما الإطاران القانونيان اللذان يسمحان باحتجاز أشخاص دون توجيه اتهامات إليهم ويحرمهم من حقوقهم الأساسية. ومنذ 7 أكتوبر 2026 تُوفي أكثر من 100 فلسطيني داخل أماكن الاحتجاز مقارنةً بمعتقل جوانتانامو حيث توفي تسعة معتقلين فقط خلال 21 عامًا.

ويضيف مردخاي أنه توقفت زيارات اللجنة الدولية للصليب الأحمر للأسرى الفلسطينيين بصورة كاملة لأكثر من عامين ونصف العام بموافقة المحكمة الإسرائيلية العليا. ويتحدث محامون يمثلون معتقلين فلسطينيين إلى جانب تقارير صادرة عن منظمات حقوق الإنسان وتغطيات إعلامية دولية عن تعرض المعتقلين الفلسطينيين لمختلف أشكال سوء المعاملة بما في ذلك الاعتداءات الجنسية؛ والفلسطينيون الذين يغادرون منظومة الاحتجاز يخرجون محطمين نفسيًا وجسديًا.