على مدار السنوات الماضية، وجه الرئيس السيسي المسؤولين في التعليم بضرورة إعادة النظر في قبول الطلاب في بعض التخصصات الجامعية، أبرزها الحقوق والآداب والتجارة، حيث أشار فخامته إلى تعليق قبول الطلاب في هذه التخصصات. ويمكن تنفيذ هذا القرار بشكل تدريجي ومرحل.
لكن الغريب هو استمرار الجامعات الحكومية في تعيين معيدين في تلك الكليات، وعلى رأسها كليات الحقوق. وهذا الأمر يمثل تناقضًا واضحًا بين توجيهات الرئيس والواقع الذي تفرضه الجامعات، حيث يتم تعيين معيد عمره 22 عامًا ليكون جزءًا من منظومة التعليم العالي لمدة 40 عامًا على الأقل، رغم أن توجيهات القيادة تقضي بتعليق قبول الطلاب في هذا التخصص.
ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، فبعد أن يحصل معيد الحقوق على الوظيفة المشغولة بدرجة مالية من الدولة، يسارع بالتقدم للتعيين في الهيئات القضائية. وينتظر لمدة تتراوح بين سنتين إلى ثلاث سنوات حتى تظهر نتيجة تعيينه في أي من هذه الهيئات، التي تعتمد بشكل أساسي على سلامة التحريات عنه وعن أقاربه حتى الدرجة الرابعة.
إذا تم قبوله، يغادر الجامعة بعد أن شغل الوظيفة التي اتخذها على سبيل الاستبدال، مما يضيع فرصة شغل وظيفة معيد على زملائه في دفعته بكلية الحقوق ويؤثر سلبًا على فرصتهم في التعيين بالقضاء أيضًا.
وبذلك يكون قد حصل على تعيين في الجامعة ثم القضاء، محرمًا زميله من المكانين! كما أنه يضيع الدرجة المالية على زملائه من الكليات الأخرى التي قد تكون الدولة بحاجة ماسة إليها مثل كليات القطاع الطبي. ويكلف الدولة رواتب لمدة 3 سنوات وهو يتمتع بالتفرغ العلمي؛ لأنه من المفترض أن يكون نواة لعضو هيئة التدريس. كما يعفى من مصروفات الدراسات العليا ويتلقى دورات تدريبية مدعومة من الجامعة.
ثم يتوجه بعد ذلك إلى الجهة القضائية بعد حصوله على راتبه حتى تاريخ إخلاء طرفه من الجامعة.
هذه الرواية تبدو غير مقبولة إلا في مصر، وإذا سمعها شخص من دولة أخرى سيتعجب؛ لأن حدوث مثل هذا العبث والتخريب الإداري لمصالح خاصة للأفراد غير مسموح به في أي دولة أخرى.
لذا آمل أن تتمكن الجهات المختصة من وضع آلية تضمن السيطرة على هذا العبث والاستهتار والأنانية، كما فعل الرئيس السيسي عند تعيينات الجهات القضائية حيث وضع نظام التخيير ومنع ظاهرة تكرار تعيين نفس الشخص في أكثر من جهة قضائية كما كان يحدث سابقًا.
يمكن أيضًا تأخير تعيينات المعيدين بكليات الحقوق حتى ظهور نتائج الهيئات القضائية أو دمج تلك التعيينات مع منظومة التخيير. إضافة إلى وضع شرط جزائي عند الاستقالة قبل الخدمة لمدة 10 سنوات يتطلب استرداد المرتب وكل ما تقاضاه المستقيل بما فيه المنح والدورات ومصروفات الدراسات العليا محملة بالفوائد البنكية بالإضافة للأضرار المترتبة عن ذلك للجهة الإدارية.
والسؤال الذي يطرحه الجميع: ألا يوجد تناقض بين توجيهات الرئيس بإيقاف قبول الطلاب في تلك الكليات واستمرار مسلسل تعيين المعيدين فيها حتى الآن؟!

