التمثيل يُعتبر من أقدم الفنون، حيث يعود تاريخه إلى زمن الفراعنة، مرورا بالإغريق وعصر النهضة في أوروبا، وصولا إلى العصر الحديث. يُعد هذا الفن من أكثر الفنون تأثيرًا في المجتمع، إذ لا يقتصر دوره على الترفيه فحسب بل يتجاوز ذلك ليكون وسيلة للتنوير والتعبير عن قضايا الناس وبناء الوعي الجمعي.
الممثل هو العنصر الأساسي في هذا الفن، ويجب أن تتوافر فيه عدة مقومات لتحقيق مهمته الرئيسية وهي تجسيد وتقمص الشخصيات المكتوبة بواقعية وصدق وإتقان.
كما يشير كياريني في كتابه “فن الممثل”، فإن التركيز والتجاوب هما من أبرز هذه المقومات. يتطلب الأمر تركيزًا عميقًا فيما يجسده الممثل من شخصيات بكل تفاصيلها، بالإضافة إلى التجاوب مع باقي الممثلين والتحكم في الصوت ولغة الجسد والانفعالات والحركات والإيماءات.
المخرج المسرحي الروسي ستانسلافسكي، الذي ألف أول كتاب عن أصول وقواعد ومنهج التمثيل عام 1901، يؤكد أن الممثل الموهوب هو الذي يستطيع إقناع الجمهور وينقل له روح الشخصية التي يلعبها، مما يجعله يظهر بشكل حقيقي وصادق.
العصر الذهبي
في مصر خلال العصر الحديث، ظهر فن التمثيل على أيدي رواد المسرح مثل يعقوب صنوع وجورج أبيض ويوسف وهبي ونجيب الريحاني. ومن هؤلاء الرواد انتقل الفن إلى السينما في بداياتها، حيث سيطر الأداء المسرحي عليها لفترة طويلة قبل أن يحدث تطور كبير بفعل إنشاء المعاهد والنقابات الفنية وإرسال البعثات إلى أوروبا وأمريكا وظهور أجيال جديدة من الفنانين الذين ساهموا في صنع عصرها الذهبي خلال الخمسينيات والستينيات.
آخر الأجيال
استمر التطور ولكن بوتيرة أقل خلال السبعينيات والثمانينيات. شهدت هذه الفترة صعود جيل جديد من النجوم مثل نور الشريف ومحمود ياسين وعادل إمام ومحمود عبد العزيز وأحمد زكي ويحيى الفخراني. وقد دعمهم مجموعة من المؤلفين والمخرجين المحبين للفن مثل وحيد حامد وبشير الديك وأسامة أنور عكاشة.
لكن مع ظهور جيل محمد هنيدي من الكوميديين الجدد وشباب السينما، حدث تراجع ملحوظ في مستوى ما يقدم سواء من حيث المضمون أو الأداء التمثيلي. ورغم وجود بعض المواهب الحقيقية مثل كريم عبد العزيز وياسر جلال وطارق لطفي ومحمد ممدوح ومنى زكي ومنة شلبي وهند صبري وحنان مطاوع وريهام عبد الغفور، إلا أنها لا تزال محدودة وسط العديد من الأسماء الأخرى التي تفتقر للموهبة والحضور الفني.
المقارنة غير واردة
تُعزى محدودية المواهب الحقيقية إلى قلة الكتاب والمخرجين المتخصصين وضعف الإنتاج الفني. انعكست هذه العوامل سلبًا على جودة الأعمال المقدمة، مما أدى إلى تقديم غالبية الأعمال دون المستوى المطلوب.
رغم ذلك، هناك بعض الأعمال القليلة التي حققت نجاحًا ملحوظًا مثل “الفيل الأزرق” و”الخلية” و”كيرة والجن” و”أهل الكهف” وغيرها. ومع ذلك فإن مقارنة أعمال تاريخية مثل “الحشاشين” و”جودر” بمسلسلات عالمية مثل “صراع العروش” أو حتى التركية التي اجتاحت الشاشات العربية مؤخرًا تعتبر مقارنة غير عادلة.
بينما حققت تركيا تقدمًا ملحوظًا في صناعة الفن بكل عناصرها، ما زلنا نحن نخطو بخطوات بطيئة نحو استعادة مجدنا الفني. فقد أصبحنا خارج المنافسة حتى مع بعض الدول الشقيقة التي تعلمت على أفلامنا لعقود طويلة. على سبيل المثال، لا تزال سوريا تُبدع في مجال الدراما التلفزيونية رغم الظروف السياسية الصعبة.
أسباب عديدة
من أسباب تراجع صناعة السينما والدراما التلفزيونية المصرية يعود أيضًا إلى المناهج الدراسية التقليدية في المعاهد الفنية التي لا تواكب التطورات الحديثة. كما أن ندرة البعثات الخارجية لدراسة الفن تلعب دوراً سلبياً أيضًا.
بالإضافة إلى ذلك، اقتحام عدد كبير من محدودي الموهبة مجال التمثيل وحصولهم على فرص حقيقية بطرق غير مشروعة يساهم في تدهور المستوى العام للفن. كما تلعب العديد من الأقلام المحسوبة على الصحافة دوراً في تلميع وجوه غير موهوبة مما يزيد الأمور سوءاً.
وسائل التواصل الاجتماعي كذلك تسهم في تحويل شخصيات مجهولة إلى نجوم مشهورين بين عشية وضحاها. للأسف معظم الذين يتصدرون الساحة الفنية حالياً هم من هذه النوعية المزيفة والمصنوعة مما يؤثر سلباً على جودة الفن بشكل عام.

