بين التهديد بالقصف والتراجع عن التنفيذ، تتجلى واحدة من أبرز مفارقات السياسة الأمريكية تجاه إيران: رئيس يرفع سقف تهديداته إلى حد التلويح بتدمير دول وبنيتها التحتية، لكنه يتراجع مرارًا عندما يحين موعد تنفيذ ما توعد به.

وفي أحدث فصول هذه السياسة، وجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تحذيرًا مباشرًا إلى سلطنة عُمان، مهددًا بقصفها إذا وقفت في طريق الجهود الأمريكية في مضيق هرمز. وقال ترامب لقناة “فوكس نيوز”: “إذا وقفت عُمان في طريقنا، فسوف نقصفها بشدة”.

تصريحات ترامب تجاه إيران: صدى ضعيف

بحسب تقرير لشبكة “سي إن إن”، ورغم خطورة التصريح، تبدو مسقط أقل اندفاعًا نحو التعامل معه باعتباره تهديدًا وشيكًا، وذلك بسبب سجل طويل من التهديدات الأمريكية التي أطلقها ترامب خلال الأشهر الماضية دون أن تتحول إلى أفعال. وهنا تكمن المفارقة الأساسية: الرئيس الذي لطالما انتقد الرؤساء الأمريكيين السابقين بسبب إطلاق تهديدات لم ينفذوها، بات يعتمد بصورة متزايدة على التهديد كأداة رئيسية في إدارة الحرب مع إيران.

تهديدات تتكرر.. والتراجع هو النتيجة

على مدار الحرب الإيرانية، وجه ترامب سلسلة من الإنذارات لطهران وحدد في عدة مناسبات مطالب ومواعيد نهائية قبل أن يتراجع عن تنفيذ الهجمات التي لوّح بها.

قبل نحو أربعة أشهر، تم رصد خمسة تهديدات وجهها ترامب إلى إيران خلال أقل من شهرين من اندلاع الحرب، وكلها تضمنت مطالب محددة ومواعيد نهائية واضحة. ومع ذلك، ألغى الرئيس الأمريكي في كل مرة الهجوم الذي كان قد هدد به.

ولم يكن التراجع نتيجة حصول ترامب على ما أراده من إيران بالضرورة، بل غالبًا ما كان مرتبطًا بحديثه عن وجود “سبب آخر” يدفعه إلى التفاؤل بإمكانية التوصل إلى اتفاق قريب. لكن هذه التوقعات لم تتحول في أي من المرات إلى اتفاق مستدام، مما جعل التهديدات الأمريكية تبدو أقرب إلى وسيلة تمنح ترامب مخرجًا من التصعيد بدلاً من كونها إنذارات تمهد لتحرك عسكري فعلي.

في بعض الحالات، وصل سقف هذه التهديدات إلى الحديث عن إنهاء الحضارة الإيرانية أو استهداف بنيتها التحتية. وهي تهديدات قد تثير تساؤلات قانونية ودولية بشأن مشروعية استهداف منشآت مدنية.

إيران تراقب.. وعُمان ليست وحدها

المشكلة بالنسبة لواشنطن لا تتعلق فقط بمدى تصديق عُمان للتهديد الأخير، وإنما بكيفية قراءة إيران لهذا السجل بأكمله.

حتى إذا كانت هناك مفاوضات تجري خلف الكواليس ولا يطلع الرأي العام على تفاصيلها، فمن المرجح أن تكون طهران أكثر دراية بمدى تراجع ترامب عن تهديداته السابقة وبالفارق بين ما يعلنه الرئيس الأمريكي عن تقدم المفاوضات وما يحدث فعليًا على الأرض.

وفقًا للتقرير، لم تظهر في كثير من الحالات التي تراجع فيها ترامب عن تهديداته أدلة واضحة على أن إيران كانت بالفعل على وشك الموافقة على المطالب الأمريكية. ومع تكرار هذا النمط تصبح التهديدات أقل قدرة على دفع طهران لتقديم تنازلات خصوصًا إذا كانت تدرك أن واشنطن قد تتراجع قبل الوصول إلى لحظة التنفيذ.

قد يكون من المنطقي أن يصر الرئيس الأمريكي في مرحلة ما على نتيجة ملموسة قبل التخلي عن تهديداته. لكن استمرار المفاوضات رغم تشكيكه أحيانًا في صدقية إيران يعكس تناقضًا واضحًا بين لغة التصعيد ومسار التفاوض.

تهديدات ترامب في هرمز.. أين الرد؟

لم يقتصر الأمر على التهديدات العامة؛ إذ أعلن ترامب في 22 يوليو أنه مقابل كل هجوم إيراني على سفينة في مضيق هرمز ستقوم الولايات المتحدة بقصف وتدمير جسر أو محطة طاقة واحدة.

ومنذ ذلك الحين اتهمت الإمارات العربية المتحدة إيران بالوقوف وراء هجمات متكررة استهدفت سفنًا تابعة لشركة بترول أبوظبي الوطنية “أدنوك”. ومع ذلك لم تظهر مؤشرات على تنفيذ ترامب تهديده باستهداف البنية التحتية الإيرانية ردًّا على تلك الهجمات.

في الوقت نفسه واصل الرئيس الأمريكي التلويح بشن هجمات واسعة النطاق على إيران دون تحديد مطالب جديدة أو واضحة في كل مرة. لكن هذه الهجمات لم تُنفذ حتى الآن.

ولا تتعلق علامات الاستفهام فقط بالإرادة السياسية وإنما أيضًا بقدرة الولايات المتحدة على تحمل تكلفة تصعيد عسكري واسع وسط تقارير تفيد بتراجع مخزونها من بعض الذخائر والصواريخ الاعتراضية.

كثرة التهديدات.. تضعف التأثير

ثمة عامل آخر يؤثر في فاعلية سياسة ترامب: كثرة التهديدات نفسها.

أظهر الرئيس الأمريكي خلال ولايته الثانية استعدادًا لاستخدام القوة العسكرية حيث شنت الولايات المتحدة بالفعل ضربات في سبع دول حتى الآن وكانت إيران أحدثها. لكن معظم هذه العمليات استهدفت جماعات مسلحة أو إرهابية ولم تكن موجهة أساسًا ضد حكومات قائمة.

في المقابل لم يتردد ترامب في تهديد دول أخرى أو ترك الباب مفتوحًا أمام إمكانية توجيه ضربات إليها. وعُمان ليست الدولة الوحيدة التي دخلت دائرة التهديدات؛ إذ سبق أن هدد ترامب أو لوّح باستخدام القوة ضد كندا وكولومبيا وكوبا وجرينلاند التابعة للدنمارك والمكسيك وبنما.

وبحساب هذه التهديدات يكون ترامب قد هدد أو هاجم دولة واحدة تقريبًا من بين كل 13 دولة خلال ولايته الثانية.

ولم تكن سلطنة عُمان استثناءً جديدًا؛ فقد سبق أن وجه إليها ترامب تهديدًا مشابهًا في مايو الماضي عندما قال: “ستتصرف عُمان تمامًا مثل أي دولة أخرى وإلا فسيتعين علينا تفجيرها”. وبما أن ذلك التهديد لم يحقق كما يبدو النتيجة التي أرادها Trump جاء تهديد جديد بعد أشهر دون أن يكون أي من التهديدين مرتبطاً بشكل واضح بتحرك عماني محدد يمكن قياس مدى تأثيره على السياسة الأمريكية.

ترامب ضد نفسه.. ماذا حدث للخطوط الحمراء؟

بحسب “سي إن إن” المفارقة الأكبر هي أن أكثر من يمكنه توجيه النصيحة إلى ترامپ الحالي بشأن خطورة التهThreats غير المنفذة هو ترامپ نفسه بنسخته السابقة.
لطالما انتقد الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما بسبب إعلانه أن استخدام النظام السوري للأسلحة الكيميائية يمثل “خطًّا أحمر” ثم عدم التحرك بصورة تتناسب مع التهThreat عندما تم تجاوز ذلك الخط.
وفي خطاب ألقاه خلال المؤتمر الوطني الجمهوري عام 2016 وصف ترامپ عدم تنفيذ أوباما لتهدیده بأنه “إهانة” معتبرًَا أن العالم بأسره كان يعرف أن هذا الThreat لا يعني شيئاً.
بعد عام وصف الأمر بأنه “تهThreat فارغ” تسبب بخسائر للولايات المتحدة بمناطق أخرى.
ثم حاول ترامپ عام 2018 تقديم نفسه كرئيس يتبنى نهجاً مختلفاً بالسياسة الخارجية قائلاً: “إن إجراء اليوم يبعث برسالة بالغة الأهمية: الولايات المتحدة لم تعد تطلق تهThreats جوفاء وعندما أقطع وعوداً أفي بها”.
وفي النهاية خلص التقرير إلى أنه بعد عدة سنوات أصبح الوضع أكثر وضوحاً: الرئيس الذي جعل من تنفيذ الThreats معياراً لقوة السياسة الخارجية الأمريكية بات يكرر الThreats ثم يتراجع عنها بينما تواصل إيران اختبار حدود هذا النهج.