بين مشروعات قومية تتوسع في استصلاح الأراضي وزراعة المحاصيل، وفجوة غذائية لا تزال تفرض على مصر اللجوء إلى الاستيراد، يبقى سؤال الأمن الغذائي حاضرًا بقوة: هل نملك بالفعل مقومات تحقيقه، أم أن الطريق لا يزال طويلًا؟ الأرقام المتاحة تؤكد أن هناك فجوة كبيرة بين ما يتم إنتاجه وما يتم استيراده، مما يشكل عبئًا كبيرًا على الاقتصاد.

“فيتو” التقت وزير زراعة سابق وخبير زراعي وأكاديمي لمناقشة هذا الملف المهم ومعرفة أبعاد وتداعياته وسبل التعامل معه وفق رؤى علمية رشيدة، بعيدًا عن أي تعسف أو ادعاء.

تحسن حذر.. وخطر لا بد من التعامل معه.

وزير الزراعة الأسبق الدكتور محمد فريد أبو حديد يرى أن مصر تعيش حاليًا أفضل حالاتها خلال فترة الـ15 عامًا الأخيرة من حيث الأمن الغذائي، مشيرًا إلى أن هناك مشروعات زراعية كبيرة تنفذها الدولة وبدأ بعضها يدخل بالفعل مرحلة الإنتاج. هذا يفتح الباب أمام تحسن مستويات الأمن الغذائي خلال السنوات المقبلة، لكنه أوضح أن هناك عددًا من المشكلات التي يواجهها المزارعون، مثل عدم توافر الأسمدة أو ارتفاع أسعار المدخلات الزراعية.

وحول سؤال: هل تمتلك مصر منظومة أمن غذائي حقيقية؟ قال الدكتور أبو حديد إن مصر تمتلك مشروعات كبيرة بالفعل، لكن من الضروري التفكير بالتوازي في الدعم العلمي لهذه المنظومات. وأكد ضرورة الاستعانة بكليات الزراعة ومركز البحوث الزراعية لدعم المشروعات الجديدة، مضيفًا: “مركز البحوث الزراعية يواجه حاليًا مشكلات كبيرة. المعلومات التي تصلني تشير إلى أننا بحاجة إلى دعم كبير للمركز حتى نستطيع الاستمرار”.

وأشار إلى أن مركز البحوث الزراعية يمثل أحد أهم المراكز المسؤولة عن إنتاج التقاوي وتطوير الزراعة بصفة عامة في مصر. وأكد أن الدولة مطالبة بإعطائه المزيد من الاهتمام والدعم حتى يستطيع القيام بدوره في دعم منظومة الأمن الغذائي.

وتطرق الوزير الأسبق إلى أزمة الأسمدة، وخاصة فيما يتعلق بمنع صرف الأسمدة المدعمة للمزارع الخاصة بالموالح والمحاصيل البستانية. ولفت إلى أن ارتفاع أسعار الأسمدة بصورة كبيرة يفرض على المزارع ضرورة ترشيد استخدامها إلى أقصى درجة ممكنة حتى يستطيع الاستمرار في الإنتاج. لكن المشكلة تكمن في أن بعض القرارات الاقتصادية التي قد يلجأ إليها المزارع تحت ضغط التكلفة قد تكون خاطئة من الناحية الزراعية.

غياب الإرشاد الزراعي.. مشكلة ضخمة.

وأعرب عن أمله في حدوث “صحوة” سريعة في منظومة الإرشاد الزراعي، بحيث يحصل المزارع على المعلومة العلمية الصحيحة في الوقت المناسب بدلًا من الاعتماد على مصادر قد يكون هدفها الأساسي بيع مستلزمات أو مبيدات زراعية.

وأكد أبو حديد أن المشروعات القومية الكبيرة، وعلى رأسها مشروع الدلتا الجديدة، ستساعد كثيرًا في تقليل الفجوة الغذائية. مشيرًا إلى أن هذه المشروعات تمثل أملًا مهمًا لتحسين وضع الأمن الغذائي المصري. متوقعا أن تعطي المشروعات القومية الجديدة عائدًا جيدًا مستشهدًا بتجارب سابقة في استصلاح الأراضي أثبتت قدرتها على تحقيق عائد جيد جدًا من المحاصيل الاستراتيجية.
وفي ظل ندرة المياه والتغيرات المناخية، طرح أبو حديد رؤية مختلفة لخريطة التوسع الزراعي في مصر مؤكدًا ضرورة تركيز الزراعة في شمال مصر، وتحديداً بين المنيا والعريش والسلوم.

وقال إن هذا المثلث يجب أن يكون محور التركيز الزراعي بينما ينبغي بالنسبة للجنوب تحديد مساحة الزراعة بناءً على الزيادة السكانية البسيطة دون إقامة مشروعات زراعية ضخمة نظرًا لأن الجنوب يقع في مناخ حار وأكثر تعرضاً لتأثيرات التغيرات المناخية.

وأكد أن الزراعة في شمال مصر ستعطي إنتاجية أفضل مقارنة بالجنوب. مشيرًا إلى أن مشروع الدلتا الجديدة يقع بالكامل تقريباً في مثلث شمال مصر مما يمثل نقطة إيجابية ومهمة في التخطيط الزراعي.

فاقد الغذاء.. خسارة تصل إلى 50%.

وانتقل وزير الزراعة الأسبق إلى ملف فاقد الغذاء موضحاً أنه ينقسم إلى مرحلتين رئيسيتين؛ الأولى أثناء عمليات الجمع والثانية خلال النقل والتسويق. مشيراً إلى أن نسبة الفاقد تعتبر كبيرة وتتراوح بين 20% و50% حسب نوع المحصول.

وأكد ضرورة الاهتمام بتقليل هذا الفاقد وتوفير الوسائل اللازمة لتخزين المحاصيل بطريقة جيدة. مشددًا على أن تقليل الفاقد يمثل أحد الحلول المهمة لزيادة المعروض الغذائي دون الحاجة لزيادة المساحات الزراعية بنفس النسبة.

القمح.. ننتج 9 ملايين طن ولكن أين يذهب؟

وضرب أبو حديد مثالاً بالقمح لتوضيح حجم مشكلة التخزين قائلاً إن مصر تزرع تقريباً 3 ملايين فدان من القمح وبإنتاجية تقدر بحوالي 3 أطنان للفدان وهو ما يعني أن الإنتاج المصري يصل نحو 9 ملايين طن من القمح.

وتساءل: كيف تكون لدينا هذه الكمية من الإنتاج بينما لا يتجاوز حجم ما يتم توريده أو تخزينه نحو 3.5 مليون طن؟

وأرجع ذلك لعدم وجود الصوامع بالقدر الكافي مؤكداً أن المناطق المفتوحة والشون الحالية لا تصلح لاستيعاب كامل الإنتاج وبالتالي يجب بذل جهد كبير لزيادة أعداد الصوامع لاستيعاب كامل محصول القمح المصري.

هل تستطيع مصر تحقيق الاكتفاء الذاتي من القمح؟

قصب السكر والمياه.. إنتاج سكر أكثر
.