في الزراعة المصرية، لا تبدأ المشكلة دائمًا من الحقل، ولا ينتهي الحل عند حدود المعمل؛ فبين الباحث الذي يكتشف فكرة جديدة، والمزارع الذي يبحث عن حل لمشكلة المياه أو التربة أو ارتفاع تكلفة الإنتاج، مسافة طويلة كثيرًا ما حالت دون وصول الابتكار إلى أرض الواقع.

ومن هنا تبرز تجربة مسابقة “الابتكار الزراعي من أجل التنمية المستدامة 2026″، التي تحاول أن تفتح هذا الطريق، ليس فقط لاكتشاف أصحاب الأفكار المبتكرة، وإنما لدفعهم إلى التفكير في كيفية اختبار أفكارهم وتحويلها إلى منتجات وخدمات ومشروعات قابلة للتطبيق والاستثمار.

وتحت مظلة المبادرة الوطنية “دولة الابتكار الزراعي”، تحولت المسابقة في موسمها الأول إلى مساحة جمعت طلابًا وباحثين وأعضاء هيئات بحثية وشركات ناشئة، وطرحت أمام لجان علمية متخصصة أفكارًا تتعامل مع ملفات شديدة الارتباط بمستقبل الزراعة المصرية، من المياه والتربة والطاقة، إلى التقاوي وسلامة الغذاء والتصنيع الزراعي وإعادة تدوير المخلفات والزراعة الذكية.

وبين 180 متقدمًا في بداية المنافسة، و70 متسابقًا وصلوا إلى مرحلة التحكيم العلمي، ثم 40 متأهلًا إلى التصفيات النهائية والعروض التقديمية، تكشف التجربة عن سؤال أكبر من مجرد الفوز بمسابقة: هل تستطيع مصر بناء منظومة حقيقية تجعل الابتكار الزراعي ينتقل من ورقة بحثية أو نموذج أولي إلى منتج يقف في السوق ويصل إلى المزارع؟

من مسابقة إلى مشروع وطني للابتكار الزراعي

يقول الدكتور علي عبد العزيز، رئيس المسابقة ومؤسس المبادرة الوطنية “دولة الابتكار الزراعي”، إن مسابقة “الابتكار الزراعي من أجل التنمية المستدامة 2026” جاءت باعتبارها منصة وطنية لاكتشاف الأفكار والابتكارات والبحوث التطبيقية القادرة على تقديم حلول واقعية للتحديات التي تواجه القطاع الزراعي المصري، والعمل على تقريب المسافة بين البحث العلمي من ناحية، واحتياجات المزارع والسوق والاستثمار من ناحية أخرى.

ويؤكد أن المسابقة ليست هدفًا منفصلًا في حد ذاتها، وإنما إحدى الأدوات التي تعمل من خلالها المبادرة الوطنية “دولة الابتكار الزراعي”، التي تتبنى مفهومًا أوسع يقوم على بناء بيئة متكاملة تجمع الباحث والجامعة والمركز البحثي والمزارع والقطاع الخاص والمستثمر وصانع القرار.

ويضيف أن الهدف هو الوصول إلى مرحلة يصبح فيها الابتكار الزراعي جزءًا من منظومة التنمية الاقتصادية، وليس مجرد نشاط بحثي ينتهي بنشر ورقة علمية أو الحصول على جائزة.

وتسعى المسابقة وفقًا لرئيسها إلى تشجيع الشباب والباحثين ورواد الأعمال على توظيف العلم والتكنولوجيا في مواجهة المشكلات الزراعية ودعم الأفكار القابلة للتحول إلى منتجات أو خدمات أو مشروعات، فضلًا عن نشر ثقافة الابتكار وريادة الأعمال في القطاع الزراعي.

وترتبط هذه الأهداف بصورة مباشرة بملفات الأمن الغذائي وترشيد استخدام المياه والطاقة والاستغلال الأمثل للموارد ومواجهة آثار التغيرات المناخية وزيادة كفاءة الإنتاج الزراعي والتصنيع الزراعي وتدوير المخلفات ودعم الاستثمارات الخضراء والمستدامة.

ويشدد عبد العزيز على أن الهدف النهائي ليس فقط اكتشاف صاحب أفضل فكرة وإنما المساعدة في صناعة جيل يستطيع تحديد المشكلة وابتكار الحل واختباره ثم التفكير في كيفية تحويله إلى قيمة اقتصادية وتطبيق حقيقي.

الفجوة بين البحث العلمي وأرض الفلاح

لم تنطلق المسابقة من البحث عن حل لمشكلة زراعية واحدة وإنما من مشكلة أوسع داخل منظومة البحث والابتكار وهي الفجوة بين ما تنتجه الجامعات والمراكز البحثية من معرفة وأفكار وبين ما يصل بالفعل إلى الحقل والسوق.

ويقول الدكتور علي عبد العزيز إن مصر تمتلك باحثين وأساتذة وطلاباً وخريجين لديهم أفكار متميزة وأبحاث علمية كثيرة لكن السؤال الأهم هو: كم فكرة من هذه الأفكار وصلت إلى المزارع؟ وكم بحثاً تحول إلى منتج؟ وكم ابتكاراً استطاع أن يتحول إلى شركة أو يجذب استثماراً؟

ويرى أن المشكلة ليست في نقص العقول وإنما في الطريق الذي يجب أن تسلكه الفكرة حتى تتحول إلى تطبيق.

ولهذا استهدفت المسابقة ابتكارات تتعامل مع مشكلات واقعية مثل محدودية الموارد المائية وارتفاع تكلفة الإنتاج وتدهور بعض أنواع التربة والملوحة والحاجة لزيادة الإنتاجية وتحسين كفاءة استخدام الأسمدة والمياه والتغير المناخي وإدارة المخلفات الزراعية وسلامة الغذاء والتصنيع الزراعي وإنتاج التقاوي والطاقة المستخدمة في الزراعة.

وزارات ومراكز بحثية وجامعات وقطاع خاص على طاولة واحدة

وتقام المسابقة تحت مظلة المبادرة الوطنية “دولة الابتكار الزراعي” التي أسسها ويرأسها الأستاذ الدكتور علي عبد العزيز أستاذ باحث بمركز بحوث الصحراء ورئيس مشروع حقن التربة الرملية بالطين.

وتوضح الدكتورة دينا أحمد المنسق العام للمسابقة والباحث بشعبة الدراسات الاقتصادية والاجتماعية بمركز بحوث الصحراء أن الموسم الأول شهد تعاوناً ودعماً من عدد من الجهات الحكومية والعلمية والمجتمعية بالإضافة للقطاع الخاص بما يعكس فلسفة المبادرة القائمة على أن منظومة الابتكار الزراعي لا يمكن أن تقوم بها جهة واحدة بمعزل عن بقية الأطراف.

180 متقدماً و40 في النهائي

وتكشف الدكتورة دينا أحمد أن المسابقة حرصت منذ البداية على ألا تكون موجهة لفئة واحدة فقط لأن الابتكار قد يأتي من طالب في بداية رحلته أو باحث يمتلك سنوات من الخبرة أو شركة ناشئة قطعت بالفعل خطوات نحو السوق.

وتضمنت المسابقة ثلاث فئات رئيسية هي الطلاب والمهندسون والخريجون وأعضاء هيئة التدريس وأعضاء الهيئات البحثية والكادر المعاون بالإضافة للشركات الناشئة والحاضنات التكنولوجية.

خمس لجان علمية تختبر الأفكار من أكثر من زاوية

ولتوفير أكبر قدر من الدقة العلمية في التقييم تم توزيع الـ70 متسابقاً الذين اجتازوا مرحلة الفرز الإداري على خمس لجان تحكيم تخصصية تغطي مختلف فروع ومجالات القطاع الزراعي. وضمت كل لجنة أكثر من ثلاثة محكمين كبار الأساتذة والخبراء المتخصصين مما يضمن إخضاع المشروع لأكثر من رؤية علمية داخل التخصص نفسه وألا يتوقف تقييمه على رأي محكم واحد. وكان الهدف هو أن تتم مناقشة كل ابتكار من زواياه العلمية والفنية والتطبيقية وأن يحصل المتسابق على تقييم مبني على خبرة جماعية وتخصص دقيق. ومن خلال نتائج هذه اللجان تم اختيار 40 متسابقاً للانتقال للتصفيات النهائية والعروض التقديمية.