إن الحديث عن تطوير منظومة الإعلام القومي محاط بالعديد من الإشكاليات العميقة والمتجذرة داخل المنظومة نفسها، بالإضافة إلى التحديات المرتبطة بالفضاء التشريعي والاقتصادي والسياسي الذي يؤثر على حركة هذه المنظومة. سنركز في هذا المقال على إشكاليات المنظومة من الداخل، رغم صعوبة ذلك، لأن بعض هذه القضايا تاريخية وترتبط بنشأة الصحافة منذ نهاية القرن التاسع عشر.
تباينت مراحل نموها ووظائف النظام الصحفي عبر التاريخ، مما يمنح دراسة هذه الظاهرة خصوصية تتطلب الحرص والابتعاد عن القوالب الجاهزة المستمدة من الصحافة الغربية.
بطء التعاطي مع بنية الإعلام الرقمي
لم تخل رؤية المثقفين العرب من ثنائية الأضداد التي يشير إليها المفكر الكبير محمد عابد الجابري. فقد تموضع الإعلام المطبوعة في مواجهة الإعلام الإلكتروني وكأن المعادلة صفرية: إما هذا أو ذاك. ولم ندرك مبكرًا خصوصية إعلام الشبكة العنكبوتية الذي يجمع بين جميع الوسائط المكتوبة والمسموعة والمرئية وأيضًا الافتراضية عبر وسيط واحد قادر على استيعاب كافة الوسائل السابقة.
تأخر الدرس الأكاديمي العربي في إدراك تأثير هذا الوسيط الجديد على تطور منظومة الإعلام، ربما يعود إلى الخصوصية التاريخية للصحافة المصرية التي شكلت في الوجدان الشعبي منارة فكرية تدعم التحرر الوطني والثقافي والفكري.
فقد أدى التباطؤ في التعامل مع الوسيلة الإعلامية والالتزام بصيغة المراقب المتشكك إلى عدم الرؤية الواقعية للتطورات العالمية في مجال الإعلام، على الرغم مما تحمله هذه التطورات من إمكانات مادية تناسب ظروف مجتمعاتنا مثل خفض تكاليف الإنتاج وسهولة الانتشار.
وبالتالي، شاب التعامل ضبابية الرؤية حيث اعتُبر التطور الطبيعي لصناعة الإعلام مجرد إضافة سطحية. اقتصر التعامل مع الوسيط الرقمي على استخدام بعض الأشكال الرقمية بشكل غير مناسب لفلسفة هذا النوع من الإعلام وللتطور الهائل الحاصل في علوم وبرامج التدريب على الإنتاج الإعلامي. وقد أسفرت تلك الرؤى المبتورة عن العديد من المثالب التي شكلت تحديات كبيرة حالت دون قيام المؤسسات بدورها وتسببت في خسائر تهدد وجودها.
تدوير كفاءات التحرير الصحفي الورقي
نتيجة لذلك، تراكمت خبرات التحرير الورقي على حساب التجربة الرقمية الحديثة. وقد سادت رؤى وتجارب تمتلك أدوات وأساليب معتبرة ولكنها لم تستطع تعظيم الاستفادة من التحول الرقمي. لا يزال الهيكل المالي والإداري للنموذج الورقي هو السائد، مما يؤكد تصورنا بأن المؤسسات تتعامل مع الإعلام الرقمي كزينة بينما لا تزال تعتبر الإعلانات والتوزيع مصادر للدخل دون استيعاب التطورات الحاصلة في منظومة الإعلام.
أصبح بيع المحتوى عالميًا هو المصدر الأول للدخل للمؤسسات الإعلامية، يليه الاشتراكات وتنظيم الفعاليات، بينما تأتي الإعلانات في مرتبة متأخرة. وهذا يتناقض مع سيطرة نموذج الإعلانات والتوزيع كمصادر للدخل في الصحافة التقليدية، وهو ما لم تأخذه إدارة الإعلام بعين الاعتبار لنجاح تطويره.
سيادة ثقافة الحفاظ على الوضع القائم (مقاومة التغيير)
على الرغم من ارتفاع تكاليف الورق والطباعة بشكل أصبح يمثل تحديًا ماليًا لمنتجي وقرّاء المطبوعات الورقية، فإن الإصرار على الإصدارات الورقية يُعتبر ميزة دون الاستفادة من العلامة التجارية للمنتج الورقي.
ينبغي النظر إلى التحول الرقمي كتنويع للمنتج وتطوير له والاستفادة من القيمة الثقافية والتاريخية والتجارية للعلامة التجارية بدلاً من إلغائها أو دمجها بطريقة تتعارض مع الرؤية الإعلامية والتجارية لضمان استمرارها وفقًا لمعايير السوق.
تعني الخدمة الإعلامية أن تكون هناك حاجة لها سواء كانت ثقافية أو سياسية وينبغي أن تتم وفق أعلى معايير الشفافية ومراجعة مؤشرات الأداء. وفي هذه الحالة تتحمل الجهات الرسمية تكلفة تلك الخدمة من الضرائب أو الدعم المخصص للجماهير العريضة.
التدريب والكوادر الشابة
لكي تنجح المؤسسات الإعلامية يجب إنفاق ميزانيات مرتفعة على التدريب والاستعانة بالكوادر الشابة الأكثر قدرة على التعامل مع التكنولوجيا الحديثة. وقد تأخرت المؤسسات القومية بشكل كبير في ذلك إذ تجاوز متوسط أعمار العاملين 45 عامًا إن لم يكن 50 عامًا.
من الضروري وجود جيل جديد قادر على التعامل مع التكنولوجيا الرقمية إعلاميًا. بمعنى أنه مؤهل لوضع الرسالة الإعلامية بالشكل الأنسب: سواء كنص مكتوب أو فيديو أو إذاعي كما يشير أساتذة وخبراء الإعلام الرقمي (فكر رقمي). المهارة الرقمية تتجاوز صياغة النص إلى الشكل الأمثل للمنتج: هل هو نص مكتوب أم فيديو أم إذاعي أم رسوم بيانية؟ مما يعزز انتشار الرسالة وزيادة تأثيرها.
تطوير مؤشرات الأداء الغربية لمنظومة الإعلام
من المهم أيضًا العمل على كسر مؤشرات أداء الإعلام الرقمي الغربي التي تُعلي من جذب الانتباه والترند مما يتطلب مهارة عالية في إعداد الرسالة والاستفادة من التطور التكنولوجي لتنوع الشكل وتثمين المحتوى بتعدد الرؤى وزوايا المعالجة. وهذا يتطلب إعدادًا مهنيًا ورقميًا جيدًا ورفع الوعي السياسي والوطني والثقافي للممارسين.
الأهم هو مراقبة الأداء وتقويمه عبر مؤسسات المجتمع المدني بعيدًا عن الدولة وأجهزتها التنفيذية، وذلك عبر المؤسسات الدينية والأحزاب والنقابات والجامعات والمراكز البحثية، وإعداد مدونات تلتزم بمبادئ الدستور والشرعية الدينية والخصوصية الثقافية، بحيث لا تلزم فقط المؤسسات الاعلامية بل كل المعنيين بقضايا الرأي العام.
الاستثمار في التراث الصحفي
يجب الاستفادة من التراث الصحفي الضخم الموجود في أرشيف الصحف القومية الكبرى سواء المقالات أو الصور وتحويلها إلى منتجات رقمية يحتاجها السوق الاعلامي الرقمي. وهذا سيساهم في تحقيق مداخيل ضخمة للمؤسسات الصحفية بالإضافة إلى رفع قيمة الرسائل الصحفية لهذه المؤسسات عبر تقنية الرابط النشط التي تحقق عمقًا وانفرادًا في التناول، مع العمل الجاد نحو تقنين ذلك وتوافقه مع قوانين الملكية الفكرية.

