أكد الباحث محمود سامح همام، المتخصص في الشؤون الأفريقية، أن الحرب السودانية تدخل مرحلة جديدة من التصعيد، حيث يتزايد تركيز الثقل العسكري في إقليمي كردفان والنيل الأزرق.

وأوضح همام في تصريح لـ “فيتو” أن هذا التحول يعكس تغيرًا في طبيعة الصراع، الذي لم يعد مقتصرًا على التنافس للسيطرة على المدن الكبرى، بل امتد ليصبح صراعًا على الممرات الاستراتيجية وخطوط الإمداد ومناطق النفوذ، مما قد يسهم في تشكيل ملامح مستقبل السودان خلال المرحلة المقبلة.

تحذيرات الأمم المتحدة تدق ناقوس الخطر

وأضاف الباحث أن تحذيرات الأمم المتحدة تأتي في هذا السياق كدليل واضح على تصاعد حدة المعارك وتفاقم تداعياتها الإنسانية. ففي ولاية النيل الأزرق، أسفرت المواجهات التي شهدتها مدينة قيسان في 11 أغسطس عن مقتل أكثر من 20 مدنيًا ونزوح نحو 2500 شخص، وفق ما أفادت به الأمم المتحدة عن مصادر محلية والمنظمة الدولية للهجرة.

وفي الوقت نفسه، تصاعدت المواجهات في شمال كردفان، حيث عادت قوات الدعم السريع للضغط على مدينة الأبيض التي تعرضت في 12 أغسطس لنحو ثماني هجمات بطائرات مسيّرة، أسفرت عن مقتل شخصين وإصابة آخرين، وفقًا لمصادر طبية نقلتها وكالة رويترز.

وأشار إلى أن تزامن التصعيد في النيل الأزرق وكردفان يعكس اتساع رقعة العمليات العسكرية ويؤكد تنامي أهمية الإقليمين في حسابات أطراف الصراع، سواء من الناحية العسكرية أو فيما يتعلق بالسيطرة على طرق الإمداد والمواقع الاستراتيجية.

خطورة التصعيد في كردفان تكمن في الأهمية الجيوسياسية للمنطقة

وواصل الباحث حديثه قائلًا: إن خطورة التصعيد في إقليم كردفان تتجلى بشكل خاص في الأهمية الجيوسياسية للمنطقة. مشيرًا إلى أن مدينة الأبيض لا تقتصر أهميتها على كونها عاصمة ولاية شمال كردفان فحسب، بل تمثل عقدة استراتيجية تربط وسط السودان بغربه.

وأوضح أن السيطرة على الأبيض يمكن أن تؤثر بصورة مباشرة على حركة القوات والإمدادات بين مناطق سيطرة الجيش السوداني في الشرق والوسط ومناطق نفوذ قوات الدعم السريع في دارفور، مما يجعل عودة الهجمات على المدينة تحمل دلالات عسكرية تتجاوز حدودها الجغرافية.

وأشار إلى أن هذه التطورات تأتي وسط تحذيرات أممية من تداعيات إنسانية خطيرة. إذ حذر مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، في يوليو الماضي، من أن التطورات المحيطة بمدينة الأبيض تنذر بكارثة إنسانية جديدة بعدما تجاوز عدد النازحين حديثًا في إقليم كردفان 219 ألف شخص منذ فبراير.

التصعيد يحدث ضمن بيئة إنسانية هشة للغاية

وقال إن الأخطر هو أن التصعيد يأتي ضمن بيئة إنسانية شديدة الهشاشة؛ فمدينة الأبيض التي يقطنها نحو 500 ألف شخص بينهم قرابة 100 ألف نازح تعاني من ظروف شبه حصار ونقص حاد في المياه والوقود والغذاء. كما أدت الهجمات على البنية التحتية إلى زيادة الضغط على الخدمات الأساسية. وقد وثقت الأمم المتحدة مقتل 45 مدنيًا وإصابة 41 آخرين نتيجة 15 هجومًا بالطائرات المسيّرة حول المدينة خلال الفترة من 6 إلى 28 يونيو.

أما انتقال القتال إلى النيل الأزرق فإنه يضيف بعدًا استراتيجيًا جديدًا للحرب؛ إذ إن توسع المواجهات جنوب شرق البلاد يفتح جبهة جديدة بالقرب من الحدود الإثيوبية ويهدد بزيادة حركة النزوح وتعقيد عمليات الإغاثة. فضلًا عن إمكانية تداخل الصراع السوداني مع شبكات الصراع والفاعلين المسلحين في المناطق الحدودية. وقد حذرت الأمم المتحدة بالفعل من تدهور الوضع الأمني والإنساني بعد اتساع القتال حول قيسان ومناطق أخرى.

سياسيًا، تكشف هذه التطورات أن الحرب لا تزال بعيدة عن التسوية؛ لأن كل طرف ما زال ينظر إلى الميدان باعتباره الأداة الأساسية لتحسين موقعه التفاوضي. ورغم الدعوات الدولية، بما فيها مطالبة مجموعة السبع في يوليو بوقف الهجمات على الأبيض ووقف الدعم العسكري والمالي الخارجي للأطراف المتحاربة، فإن استمرار تدفق السلاح وتغير خطوط المواجهة يجعلان فرص وقف شامل لإطلاق النار محدودة على المدى القريب.

واستشرافيًا، فإن السؤال لم يعد فقط: متى تنتهي الحرب؟ وإنما: إلى أي مدى يمكن أن تمتد جغرافيًا قبل أن تبدأ الأطراف البحث عن تسوية؟ السيناريو الأكثر ترجيحًا على المدى القريب هو استمرار حرب الاستنزاف مع محاولات الجيش تثبيت مكاسبه والتقدم غربًا مقابل سعي الدعم السريع لفتح جبهات جديدة واستخدام الطائرات المسيّرة والضغط على خطوط الإمداد لتعويض خسائره الميدانية.