تتسارع، في الآونة الأخيرة، وتيرة هدم المنازل والمنشآت الفلسطينية في مختلف محافظات الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، لتتحول هذه الممارسة من إجراءات تنظيمية أو عقابية معزولة إلى مظهر ثابت من مظاهر السياسة الميدانية المفروضة على الأرض.
ويتداخل في هذا المشهد دور المؤسسات العسكرية والإدارية التي تحكم السيطرة على تفاصيل البناء والتوسع العمراني للفلسطينيين، لا سيما في المناطق المصنفة “ج” التي تشكل المساحة الأكبر من أراضي الضفة الغربية.
وتجد مئات العائلات الفلسطينية نفسها بشكل يومي أمام إخطارات بالهدم أو الإخلاء، ما يحوّل الحق الأساسي في المأوى والأمان السكني، إلى خط مواجهة مباشر وصعب يمس تفاصيل الحياة اليومية للمجتمعات المحلية والبلدات والقرى والمجمعات البدوية الرعوية، التي تُحرم من المخططات الهيكلية التوسعية الطبيعية.
وهذا التزايد الملحوظ في استخدام جرافات الهدم لا يقتصر أثره على تدمير البنى الخرسانية والبيوت الحجرية، بل يمتد ليعيد صياغة الواقع الجغرافي والديمغرافي في تلك المناطق، مؤديا إلى خلق بيئة طاردة تفتقر إلى أدنى مقومات الاستقرار والاستمرار البشري الطبيعي، ما يضع المنظمات الحقوقية والمؤسسات الإعلامية أمام مسؤولية رصد أبعاد هذه القضية الملحّة التي تتجاوز مجرد الخسارة المادية الظاهرة لتطال عمق الوجود الاجتماعي والاقتصادي والنفسي للمواطنين الفاقدين لمنازلهم.
أرقام مرعبة.
مع تسارع هذه الوتيرة الممنهجة، تترجم الأرقام الميدانية المحدثة لعام 2026 هذا التدمير إلى واقع ديموغرافي قاسٍ؛ حيث تسببت جرافات الهدم وعنف المستوطنين في تهجير أكثر من 2200 فلسطيني (بينهم ما يزيد عن 1000 طفل) في الضفة الغربية والقدس الشرقية، ليسجل هذا العام معدل نزوح شهري غير مسبوق يبلغ 160 حالة نزوح، وهو الأعلى منذ عام 2009. ولم تعد المعركة مقتصرة على الجدران والأسقف، بل امتدت لتجفيف مقومات الحياة الأساسية عبر تدمير أكثر من 190 منشأة مياه وصرف صحي، تشمل خطوط أنابيب وخزانات ري، في وقت تتركز فيه 58% من هذه العمليات في المنطقة (ج)، بينما بلغت قسوة السياسة ذروتها في القدس الشرقية التي هُدمت فيها 98 منشأة، واضطر السكان فيها إلى تنفيذ 53% من عمليات الهدم بأيديهم ، أي هدم ذاتي تفاديا للغرامات الباهظة.
وبناء على هذا الواقع الممتد، وفي ظل ما يفرضه واقع الفقد والتهجير القسري على الأرض، فإن هذا التقرير يسعى إلى الإجابة عن الإشكالية المركزية التالية: إلى أي مدى يساهم التصاعد الممنهج في سياسة هدم المنازل والمنشآت بالضفة الغربية في تقويض مقومات الاستقرار الاجتماعي والنمو العمراني الطبيعي للفلسطينيين، وما هي التبعات المباشرة وغير المباشرة لهذه الممارسة على تماسك المجتمعات المحلية في مواجهة تدابير الإزاحة المكانية، وكيف تعيد تفاصيل المعاناة الإنسانية والنفسية والاقتصادية صياغة مفهوم الصمود وآليات البقاء لدى الأسرة الفلسطينية عقب تحول منزلها إلى ركام؟
كيف يعيش الفلسطيني حين يفقد منزله؟

في قراءة أبعاد هذه الإشكالية، يوضح المحلل الفلسطيني، الدكتور رائد ناجي، أن المنزل بالنسبة للفلسطيني لا يمثّل مجرد جدران وسقف يؤويه من حرّ الصيف وبرد الشتاء، بل هو اختزالٌ عميق لمعنى الاستقرار والذاكرة والانتماء.
ففي بنية المجتمع الفلسطيني، يتجاوز البيت وظيفته المادية الصرفة ليصبح وعاء معنويا حاميا للعائلة، ومستودعا للحكايات، وشاهدا حيا على تعاقب الأجيال.
ومن هذا المنطلق، فإن مشهد هدم المنازل المتكرر في الضفة الغربية لا يمكن قراءته بأي حال من الأحوال باعتباره مجرد إجراء عمراني أو خسارة مادية فحسب، وإنما هو حدث زلزالي عنيف يعصف بحياة الأسر ويقلب تفاصيلها اليومية رأسا على عقب، مخلّفا وراءه تساؤلات ملحة حول مصير هذه العائلات بعد أن تتهاوى جدران مأواها، وأين تذهب، وكيف تعيد ترتيب حياتها وسط ركام الفقد والتشرد.
حين يتحول البيت إلى ركام.
تبدأ فصول هذه المأساة الإنسانية غالبا في ساعات الصباح الأولى، حيث تحاصر القوات العسكرية المكان وتشرع الآليات الضخمة في العمل، ليقف أفراد الأسرة عاجزين أمام مشهد يختلط فيه الخوف بالصدمة. وخلال دقائق أو ساعات قليلة، يتحول المنزل الذي استغرق بناؤه سنوات طويلة من الكد والعمل إلى كومة من الحجارة والحديد.
ويبين الدكتور ناجي أن ما ينهار في تلك اللحظة القاسية ليس البناء الفيزيائي فقط بل جزء أساسي من الإحساس بالأمان واليقين؛ فالأطفال الذين اعتادوا النوم في غرفهم المستقرة يجدون أنفسهم فجأة بلا مساحة خاصة. والآباء يشعرون بأن سنوات عمرهم تلاشت أمام أعينهم مما يخلق شعورا عميقا بالاقتلاع من الجذور حتى وإن بقيت الأسرة في المنطقة الجغرافية ذاتها نظرا لأن البيت يمثل امتدادا حيويا للهوية الشخصية والجماعية.
وبعد انقشاع غبار الهدم تبدأ رحلة مريرة أخرى للبحث عن مأوى بديل حيث تلجأ بعض الأسر إلى منازل الأقارب بينما تضطر أسر أخرى إلى استئجار مساكن مؤقتة أو نصب خيام وكرفانات بسيطة في محيط المنزل المهدّم.
غير أن هذه الحلول التي يفترض أن تكون مؤقتة تتحول في كثير من الأحيان حسب ناجي إلى واقع طويل الأمد نتيجة ارتفاع تكاليف الإيجارات وصعوبة الحصول على تراخيص بناء جديدة وتكرار مخاطر الهدم مجددا مما يجعل العودة إلى حياة مستقرة أمرا بالغ التعقيد.
وفي حالات كثيرة تضطر عدة عائلات للعيش معا في منزل واحد مما يخلق حالة من الاكتظاظ الشديد ويفجر ضغوطا اجتماعية ونفسية إضافية تتحول معها أبسط التفاصيل اليومية – كالنوم والدراسة والخصوصية – إلى تحديات حقيقية شاقة تواجه أفراد الأسرة.
جراح لا تراها الكاميرات.
أما عن الجانب غير المرئي للمأساة فإن الندوب النفسية الكامنة في الداخل تظل حسب ذات المتحدث الأثر الأكثر عمقا والأقل ظهورا للعيان مقارنة بالركام الذي تصوره الكاميرات.
ويُعد الأطفال الفئة الأكثر تضررا وتأثرا حيث تشير التجارب الميدانية إلى معاناتهم من اضطرابات النوم والكوابيس والقلق المستمر والخوف من تكرار التجربة بالتوازي مع تراجع تحصيلهم الدراسي وصعوبات التركيز والانعزال الاجتماعي.
وفي المقابل يؤكد ناجي أن الكبار يواجهون مشاعر مركبة ومؤلمة من الحزن والغضب والعجز والإحباط؛ لاسيما رب الأسرة الذي يجد نفسه عاجزا عن حماية عائلته وتوفير المأوى لها والأم التي تواجه فجأة فراغا مكانيا وعاطفيا هائلا بعد فقدان مملكتها الصغيرة مما يجعل تأثير الهدم ممتدا لسنوات طويلة في صورة قلق مزمن وشعور دائم بعدم الاستقرار.
وتتشابك هذه الأزمات النفسية مع خسائر اقتصادية فادحة تطيح بجهد العمر؛ فالمنزل يمثل لأغلب الأسر الفلسطينية أكبر استثمار مالي في حياتها تطلب بناؤه عقودا من الادخار والعمل والاستدانة وبفقده تفقد الأسرة مدخراتها وأثاثها ومقتنياتها وتُثقل بأعباء مالية جديدة للإيجار أو إعادة الإعمار.
وتتضاعف هذه الخسارة حين يكون المنزل مرتبطا بمصدر رزق مباشر كمتجر صغير أو ورشة عمل مما يدخل العائلة في دوامة من العوز الاقتصادي.
وهذا الاختلال يمتد ليصيب الروتين اليومي البسيط للحياة الإنسانية حيث يضطر الأطفال لتغيير مدارسهم ويواجه العاملون تعقيدات في التنقل وتتحمل النساء عبئا مضاعفا لإدارة الحياة داخل بيئة غير مستقرة.
ولا تتوقف الخسارة حسب المحلل عند حدود فقدان المأوى أو الممتلكات المادية بل تمتد إلى ضياع جزء من الذاكرة الشخصية والعائلية. فكثير من الأسر تفقد أثناء عمليات الهدم صورا عائلية قديمة وشهادات دراسية ووثائق رسمية ومقتنيات تحمل قيمة رمزية لا يمكن تعويضها.
وتكتسب هذه الخسارة بعدا معنويا عميقا لأن المنزل لا يحتضن الأفراد فقط بل يحتفظ بتاريخهم الشخصي وتفاصيل حياتهم اليومية. وعندما يتحول البيت إلى ركام تصبح استعادة هذه الذكريات أمرا بالغ الصعوبة خاصة حين تختلط الوثائق والألبومات والأغراض الخاصة تحت الأنقاض أو تتعرض للتلف الكامل الأمر الذي يضاعف شعور الأسرة بالفقد ويجعل عملية التعافي النفسي أكثر تعقيدا.
الصمود رغم الركام.
رغم قسوة هذا الواقع تبرز شبكات التضامن الاجتماعي والأهلي من جيران ومؤسسات كشبكة نجاة أولى تسارع لتقديم المأوى المؤقت والمعونات مما يخفف وطأة الصدمة ويعكس عنصرا مهما من عناصر الصمود الفلسطيني.
وهنا يرى الخبير أن عملية إعادة البناء تتحول رغم شح الموارد وتهديد الهدم المتكرر إلى فعل مقاومة وجودي يستهدف استعادة الكرامة والتمسك بالأرض بدلا من الاستسلام لحالة اللجوء الداخلي والضياع.
وفي المحصلة تكشف تجربة العائلات الفلسطينية التي فقدت منازلها أن الهدم لا يقتصر على إزالة بناء قائم بل يعيد تشكيل الحياة بأكملها. فبين فقدان الأمان وتشتت الأسرة وتراجع الاستقرار الاقتصادي والآثار النفسية الممتدة يجد الفلسطيني نفسه أمام معركة يومية للحفاظ على تماسكه الاجتماعي والإنساني. ورغم تأزم الظروف تبرز محاولات التكيف وإعادة البناء والتضامن المجتمعي باعتبارها أدوات أساسية لمواجهة واقع الفقد بما يعكس قدرة المجتمع الفلسطيني على تحويل المعاناة إلى أشكال متعددة من الصمود.

