منذ عقود، تعاني المنيا من جراح طائفية متجددة، وكأن عروس الصعيد محكوم عليها أن تظل أسيرة لمعادلة مأساوية؛ حيث تبني الدولة الكنائس وتقننها، بينما يعمل التطرف على توريث الإرهاب والتكفير عبر الأجيال، مما يجعل من الصعب على المواطنين العيش بسلام.
ما شهدته قرية تل القبلية الأسبوع الماضي يعد إهدارًا لحقوق المواطنة التي كفلها الدستور، حيث أصبحت صلاة الأقباط في بيوت الله رهينة لرخصة من الجيران أو بمباركة محرضين يتخفون خلف النساء والأطفال. في مشهد همجي طائفي، يتحول الأطفال إلى قنابل موقوتة يصنعها المتشددون بعناية لتفخيخ المستقبل.
تتحول الصلاة في بعض كنائس قرى ونجوع المنيا إلى مغامرة محفوفة بالمخاطر، إذ يبدو الأمر وكأنه مجرد مشاجرات بين الجيران أو توترات عرضية. لكن الواقع هو مسلسل متكرر من العنف الذي يتجدد باستمرار.
تظهر هذه الأحداث بسبب سياسات الصلح العرفي وتطييب الخواطر التي لم تؤد إلا إلى تفشي الجرائم، مما يمنح حصانة للمتطرفين ويعزز من موقفهم. وقد تجلى ذلك الأسبوع الماضي في قرية تل القبلية بمركز أبو قرقاص بالمنيا، حيث قامت نساء وأطفال بقذف الكنيسة بالحجارة. هذا المشهد المأساوي دفع الأنبا مكاريوس، أسقف المنيا، لتوثيقه عبر منصة “إكس” كصرخة استغاثة.
تثبت هذه الواقعة أن الأزمة ليست وليدة لحظة انفعال بل هي أزمة مزمنة نتيجة تجاهل البلاغات المتكررة عن التحرشات المتطرفة. بينما تسعى المحافظة برئاسة اللواء عماد كدواني إلى تقنين أوضاع 45 مبنى كنسيًا تأكيدًا لسيادة التنوير والمواطنة، نجد من يقطع التيار الكهربائي ويحطم سيارة الكاهن ويحتجز المصلين في تحدٍ صارخ للدولة ولحقوقهم كمواطنين.
المشكلة في المنيا لا تنتهي بسهولة، فالمقدمات الرخوة تنتج نهايات كارثية. الحديث عن القبض على من يظهرون في المقاطع المصورة هو مجرد تسكين للألم بينما يبقى المحرض الحقيقي حرًا طليقًا يخطط للمواجهة القادمة.
هندسة العنف
الألم هنا مشترك؛ فليس الآخر الديني المحاصر في كنيسته هو الوحيد الذي يدفع الثمن، بل أيضًا الأطفال والنساء الذين يتم الزج بهم في معركة لا يجب أن يكونوا طرفًا فيها. تظهر المقاطع المصورة ظاهرة خطيرة تعكس خسة العقل المدبر للفتنة: الهندسة الاجتماعية للعنف التي تستغل الفئات الأكثر هشاشة قانونيًا.
تقف الأمهات في الصفوف الأمامية لقذف الحجارة والصراخ بهتافات التكفير، بينما الأطفال خلفهن يمتصون الغل ويعيدون إنتاجه بكل ثبات. هذه جريمة بحق الصغار تهدف إلى إفلات المحرضين من العقاب وتشتت العدالة خلف متهمين غير مدركين لما يفعلونه.
تؤلمني صور الأطفال الذين تلقوا سموم التعصب؛ تشتعل في رأسي عشرات الأسئلة حول مصائرهم ومستقبلهم وسلوكهم عندما يصبحون رجالًا يتحكمون في الأمور. إنها إعادة إنتاج للكراهية وتدوير للإرهاب لضمان إمداد دائم من المتطرفين الجدد لجيل كامل قادم.
جلسات العار
بعد كل تلك الجرائم التي شملت حصار المصلين وتحطيم سيارة الكاهن وقذف الكنيسة بالحجارة، نجد من يريد فرض جلسة صلح عرفي على الكنيسة. وهو ما رفضه نيافة أنبا باخوميوس قائلاً: “ليأخذ المحرضون عقابهم ثم ننفذ الصلح”.
لن تُخفف أوجاع الخوف إلا بتطبيق القانون؛ فالتاريخ يشهد أن كل مرة تمت فيها الاستجابة للصلح العرفي كانت بداية لكارثة جديدة. لماذا؟ لأن المجرمين يفلتون من العقاب والجرائم مستمرة والكراهية راسخة والتكفير موجود في العقول وخطط التطرف تنفذ دون توقف!
ماذا تنتظر الجهات المسؤولة عن إنفاذ القانون حتى تلغي جلسات العار وتردع المحرضين؟ أي صلح يتحدث عنه البعض دون وجود الحب؟ فلا صلح بلا حب ولا حب بلا وعي.
توريث الكراهية
كلما عادت المنيا للأحداث الطائفية تتجدد الذاكرة المجتمعية التي تصنفها بؤرة تهديد لسلام الوطن والعيش المشترك. التاريخ يخبرنا بسلسلة متصلة من الوقائع المؤلمة الناتجة عن تطرف عميق الجذور منذ السبعينات وحتى الآن؛ وفقاً لخريطة الحريات الدينية الصادرة عن المبادرة المصرية للحقوق الشخصية شهدت محافظة المنيا 50 واقعة عنف وتمييز طائفي بين عامي 2017 و2021 فقط وهو المعدل الأعلى على مستوى الجمهورية.
تشير هذه الأرقام إلى أن الحل الحقيقي يكمن في المواجهة الفكرية والثقافية التي توضح للناس كيف تم استغلالهم لأغراض سياسية وقبلية. يجب نزع القرى والنجوع من العزلة وإشراكها فيما يخدم قيم المواطنة وقبول الآخر.
لا يمكن لتوفيق أوضاع الكنائس وتقنينها أو للقوانين المنظمة لبناء وترميم الكنائس أن تغير ما رسخ في العقل الجمعي لبعض سكان القرى الذين يرون أن الشرعية العرفية تفوق شرعية القوانين.
يصلحون ما يفسدونه بأيديهم عند الحاجة بجلسات صلح عرفي تتضمن أحكامًا جائرة تعد قضاءً موازٍ يجمع المعتدي والمعتدى عليه تحت سقف واحد ليتصافحا رغم الجراح ويمرروا الأمر بـ “بوس اللحى” وذبح الخراف، مما يرسل رسالة واضحة للمتطرفين: “اعتدِ دمر حاصر.. وفي النهاية ستحميك الجلسة العرفية”!
إذا استمر غياب التنمية الفكرية والثقافية وموت دور المجتمع المدني وقصور المناهج التعليمية عن غرس قبول الآخر سنكتب نفس المقال غدًا عن قرية أخرى تحت نفس المبررات. حمى الله مصر وحمى عقول أبنائها من ظلمات التكفير والكراهية.

