فى الحلقة السادسة، أكدت على أن المجالس المحلية تشكل عصب الحياة السياسية، حيث تنصهر فيها حقوق المواطن الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والخدمية. وقد ترك غياب هذه المجالس لفترة طويلة (18 عامًا) أثرًا سلبيًا واضحًا على كافة مجالات التنمية بالمحافظات. لذا، كان من الضروري أن تنتبه القيادة لهذا الفراغ السياسي الكبير، فأصدر الرئيس السيسى تعليماته مؤخرًا للحكومة بسرعة إجراء انتخابات المحليات واتخاذ اللازم لتعديل قانون الإدارة المحلية.

جاء هذا التدخل الرئاسى في توقيت مناسب تمامًا، لتنشيط الحياة السياسية التي تعاني من ركود غير مسبوق منذ غياب المحليات عن المشهد بعد ثورة 25 يناير 2011. لقد أدرك الرئيس أن الحياة السياسية تفتقر إلى هذه المؤسسة التي تتولى تأهيل السياسيين وتمهيدهم للحياة البرلمانية.

إذا تمكنت المجالس المنتخبة من ممارسة اختصاصاتها وصلاحياتها الرقابية لمتابعة وحل المشاكل والأزمات الجماهيرية داخل نطاق إقليمها، وفقًا لما جاء في الدستور، فإن ذلك سيسهم في تخفيف الضغط عن الحكومة المركزية. كما ستمكن الأحزاب الصغيرة التي لم تستطع اجتياز معركة مجلس النواب بسبب القوائم المغلقة من العودة لخدمة المجتمع المحلي، رغم أن مشكلة تمويل مشاريعها لا تزال عقبة أساسية تجعلها مرتبطة بالوزارات المركزية.

تتطلب هذه العقبة تعديلًا مهمًا في اختصاصات وصلاحيات المجالس بحيث تتمكن من فرض رسوم لتطوير مدن المحافظة عبر ميزانية خاصة ومستقلة تمامًا عن ميزانية الدولة. يجب أيضًا تمكينها فعليًا وليس شكليًا من محاسبة المحافظ واستجوابه والتوصية بإقالته إذا لزم الأمر. ومن الضروري فض الاشتباك بين صلاحياته واختصاصات ممثلى الوزارات والهيئات المركزية.

من المهم أيضًا تعديل الاختصاصات الضبابية لإنقاذ المحليات من قبضة السلطة التنفيذية (المحافظ وأعوانه في المديريات)، مما يمكّنها من ممارسة دورها الحقيقي في مختلف مجالات الحياة، سواء الصحية أو التعليمية أو الاقتصادية أو الاجتماعية والأمنية وغيرها.

تحتاج المجالس المحلية إلى صلاحيات شاملة وغير مقيدة، تتيح لها الحفاظ على المال العام ومواجهة فساد المحليات، وتساعدها على تحقيق العدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية.

لا يمكن قبول عودة المجالس المحلية بقوانين صدرت في الحقبة السبعينية من القرن الماضي، مثل القانون 43 لعام 1979 الذي جعل قرارات المجالس مجرد توصيات بلا تأثير حقيقي، تحكمها وتوجهها مواءمات سياسية وحزبية مع السلطة التنفيذية الممثلة بالمحافظ ومسئولي الوزارات ورؤساء المدن والوحدات المحلية.

عند الانتقال من الاختصاصات المنقوصة إلى طريقة التشكيل، نجد أنفسنا أمام نسيج سياسي غريب أفرزته طريقة تشكيل بدأت بالفردي والتعيين ثم انتقلت إلى قوائم حزبية مزقت الثقة بين المواطن والنائب المحلي، ورهنت القرارات لإملاءات كبار البرلمانيين والحزبيين الذين لديهم علاقات قوية بالمحافظ والقيادات التنفيذية.

تم تقييد أعضاء هذه المجالس بكلمة واحدة تصدر من رؤساء الأحزاب الموالية للنظام؛ فإما نعم وإما لا حسب ما تريده الحكومة و(المطبلاتية) وحاملو (المباخر والصاجات). ومن يعترض أو ينشق عن الصف ولا ينفذ التوجيهات يُحرم من (الهدايا السياسية) ولا يفكر بعد ذلك في الترشح لأية انتخابات.

لذا، يعد تعديل شروط الترشيح الواردة في القانون 43 لعام 1979 ولائحته التنفيذية أمرًا بالغ الأهمية؛ حيث تسمح بمساحة من المجاملات ولا تقدم أفضل الكوادر، مما يؤدي إلى إحجام أصحاب الخبرة والكفاءات عن المشاركة في الحياة السياسية.

نحتاج فقط لمنح المجالس الشعبية المحلية كافة صلاحياتها الواسعة التي حددها دستور 2014؛ فمن دون الصلاحيات الرقابية والمالية لن تحقق هذه المجالس الهدف من عودتها ولن تلبي طموحات المواطنين في العدالة الاجتماعية وإنجاز المشاريع التنموية والخدمية.

وللحديث بقية حول النظام الانتخابي الأمثل للمجالس المحلية وأي منها يصلح للبيئة السياسية المصرية.