خداع.. إدمان وغسيل أموال.

شركات دولية وتطبيقات مجهولة تطيح بأموال الشباب

خبراء: بيزنس عالمي يتجاوز 100 مليار دولار وسوق سوداء تستهدف الشباب في مصر

تحولت المراهنات الإلكترونية في السنوات الأخيرة من مجرد هواية يمارسها بعض المشجعين إلى صناعة عالمية تدر مليارات الدولارات سنويًا. تقود هذه الصناعة شركات ومنصات عابرة للحدود تعتمد على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات لجذب ملايين المستخدمين. ومع اتساع حجم هذه السوق، أصبح تأثيرها يتجاوز تحقيق الأرباح ليشمل إثارة الشكوك حول نزاهة المنافسات الرياضية وفتح الباب أمام قضايا التلاعب بنتائج المباريات وغسل الأموال والإدمان، مما جعل المراهنات موضوعًا بارزًا في النقاشات الرياضية والقانونية حول العالم.

تتركز صناعة المراهنات الرياضية في عدد من الأسواق الكبرى، أبرزها المملكة المتحدة التي تُعتبر من أقدم الدول التي نظمت هذا النشاط، إلى جانب الولايات المتحدة التي شهدت زيادة هائلة في حجم المراهنات بعد تقنينها في العديد من الولايات منذ عام 2018.

تُعد أستراليا من أعلى الدول عالميًا في معدلات الإنفاق على المراهنات للفرد، بينما تمثل الأسواق الآسيوية، وعلى رأسها الصين والهند، كتلة ضخمة من المراهنات عبر الإنترنت سواء من خلال الأسواق القانونية أو غير القانونية. هذا الانتشار جعل هذه الصناعة تتجاوز الحدود الجغرافية لتصبح واحدة من أسرع الأنشطة الرقمية نموًا على مستوى العالم.

لم تبقَ المراهنات الإلكترونية حبيسة الدول التي شرعتها أو نظمتها، بل وجدت طريقها إلى عشرات الدول عبر المنصات الرقمية العابرة للحدود، التي لا تعترف بقيود جغرافية. أصبح الهاتف المحمول كافيًا لدخول هذه السوق الضخمة التي تستهدف شرائح واسعة من الشباب عبر حملات دعائية مكثفة ووعود بالربح السريع.

على المستوى المحلي، انعكس هذا التوسع العالمي على مصر حيث انتشرت تطبيقات ومنصات المراهنات الأجنبية بين بعض الشباب عبر وسائل التواصل الاجتماعي، رغم أن التشريعات المصرية تجرم المقامرة. أصبحت الظاهرة مصدر قلق متزايد ليس فقط لما تسببه من استنزاف لمدخراتهم بل أيضًا لما تخلقه من حالة هوس بالمكسب السريع قد تدفع البعض إلى الاقتراض أو التفريط في ممتلكاتهم أملاً في تعويض خسائرهم. تحولت المراهنات من لعبة افتراضية إلى أزمة اجتماعية واقتصادية تستدعي المواجهة.

لم يعد نجاح منصات المراهنات الإلكترونية يعتمد فقط على تنوع الألعاب أو الأحداث الرياضية بل أيضًا على قدرتها على جذب مستخدمين جدد خاصة من الشباب. تعتمد هذه المنصات على عروض التسجيل الأولى والمكافآت والإعلانات المكثفة عبر الإنترنت، بالإضافة إلى تصميم التطبيقات بطريقة تشجع على تكرار المراهنة عبر الإشعارات المستمرة وإتاحة اللعب في أي وقت. تبدأ التجربة غالبًا برهانات صغيرة لكنها قد تتطور مع الوقت إلى إنفاق مبالغ أكبر في محاولة لتعويض الخسائر أو تحقيق أرباح سريعة، مما يجعل الشباب الفئة الأكثر عرضة للوقوع في دائرة الاستنزاف المالي والسلوك الإدماني.

في تجربة شخصية يروي علي محمود: “وجدت منصة يروج لها لاعب منتخب مصر السابق فقمت بالتسجيل وحصلت على 1500 جنيه كمبلغ ترحيبي بالإضافة إلى بونص يساوي ضعف المبلغ. تم الشحن عبر الفيزا كارد أو خدمة الفون كاش وتم تسجيلي كلاعب مراهن. هناك خيارات متعددة للمراهنة سواء أحادية أو بالقسيمة حيث يمكن للمستخدم وضع مبلغ 500 جنيه للمراهنة وفي حالة توقع 5 مباريات صحيحة يحصل على ضعف المبلغ.”.

يضيف علي: “هذا الموقع متاح وله تطبيق شهير ويروج له لاعب مصري معروف يظهر على القنوات التلفزيونية مما يوحي للشباب بأن المراهنات شيء عادي. للأسف أصبح الكثير منهم مدمنين لهذه الممارسات وهناك مقاهٍ وجروبات معروفة بالقمار الإلكتروني حيث يجتمع عدد من المراهنين ويتقاسمون الربح ثم تبدأ الأزمة مع خسارة الرهان ليقوم البعض بالمقامرة مرة أخرى أملاً في التعويض مما يؤدي لخسارة كل الأموال.”.

هذا النموذج ليس حالة فردية بل يعكس ظاهرة تتسع عالميًا حيث يحلم شباب كثيرون بتحقيق الثراء السريع بضغطة زر ليجدوا أنفسهم داخل عالم المراهنات الإلكترونية حيث تتحول الوعود بالأرباح السهلة إلى خسائر متتالية وإدمان يصعب الفكاك منه.

تشير الإحصاءات الدولية إلى أن نحو 18% من المراهقين حول العالم مارسوا المراهنات وهو ما يعكس الانتشار المتزايد لهذه الصناعة ويثير تساؤلات حول مخاطرها الاجتماعية والاقتصادية خاصة مع استهداف فئات الشباب بوهم الربح السريع.

وحذر الدكتور رشاد عبده الخبير الاقتصادي من خطورة انتشار ظاهرة المراهنات الإلكترونية مؤكدًا ضرورة التعامل معها بحسم منذ بدايتها قبل أن تتحول لأزمة اقتصادية واجتماعية يصعب السيطرة عليها. فالمراهنات لا تمثل مجرد وسيلة ترفيه بل هي صناعة ضخمة تدر مليارات الدولارات سنويًا مما يجعل الجهات القائمة عليها تسعى باستمرار لتوسيع قاعدة المشاركين وجذب المزيد من الشباب.

كما أضاف عبده أن انتشار هذه الظاهرة محليًا وتحولها لسلوك معتاد بين فئات المجتمع قد يترك آثاراً سلبية واسعة سواء على الأفراد أو المنظومة الرياضية وقد يؤدي استمرار نموها إلى خلل في أولويات الإنفاق لدى بعض الأسر والشباب ويخلق ضغوطاً مالية واجتماعية متزايدة لذلك لابد من زيادة التوعية بمخاطرها وتشديد الرقابة على المنصات غير المشروعة حتى لا تتحول لممارسة تهدد استقرار المجتمع والاقتصاد على المدى الطويل.

سلوك إدماني

قال الدكتور سعيد صادق أستاذ علم الاجتماع السياسي إن المراهنات الإلكترونية لم تعد مقتصرة على فئة اجتماعية بعينها بل امتد تأثيرها ليشمل شرائح كبيرة من المجتمع رغبةً في تحقيق مكاسب سريعة دون إدراك للمخاطر الاقتصادية والاجتماعية المحتملة. والأسوأ هو أنها تستنزف الموارد المالية للأفراد تدريجياً إذ يبدأ الأمر بمبالغ بسيطة ثم يتحول لدى البعض لسلوك إدماني يدفع الشخص لإنفاق المزيد لتعويض خسائره وهو ما ينعكس سلباً على الاستقرار الأسري والاجتماعي.

وأكد صادق أن مواجهة هذه الظاهرة لا تعتمد فقط على الإجراءات القانونية بل تحتاج لحملة توعية شاملة تشارك فيها وسائل الإعلام والمؤسسات التعليمية بدءاً من المدارس والجامعات لتعريف الشباب بمخاطر المراهنات وآثارها النفسية والاقتصادية مع ضرورة دور الأسرة في الاكتشاف المبكر مطالباً أولياء الأمور بمتابعة سلوك أبنائهم الرقمي والانتباه لأي تغير مفاجئ في الإنفاق أو الانعزال أو الانشغال الدائم بتطبيقات الهواتف لأنها قد تكون مؤشرات لبداية الانخراط في عالم المراهنات الإلكترونية.

حرام شرعاً

ومن الناحية الدينية أكد الدكتور أحمد كريمة أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر أن نصوص الآيات القرآنية واضحة بشأن تحريم المقامرة والمراهنة حتى لو كانت تتم للتسلية بين الأصدقاء وفق قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجسٌ من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون) (المائدة:90)، وأيضاً (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراضٍ منك).

تهديد

أثارت ظاهرة المراهنات حفيظة نواب البرلمان المصري حيث أكد محمد مجاهد رئيس لجنة الشباب والرياضة بمجلس النواب أن انتشار ظاهرة الرهان الرياضي يمثل تهديداً كبيراً لشبابنا ويتطلب تكاتف الجميع للتصدي لمثل تلك الأنشطة المخالفة لتعاليم الدين الإسلامي والقانون.

أضاف مجاهد أنه خلال عام 2025 قدر حجم سوق المراهنات الرياضية بحوالي 110 مليارات دولار عالمياً بينما يصل متوسط إنفاق الشخص الواحد 305 دولارات وهو رقم مقلق يستوجب الانتباه خاصة مع التوقع بأن السوق ستصل لـ190 مليار دولار بحلول عام 2030 مشيراً إلى أن كرة القدم هي أكثر الألعاب رواجاً ضمن سوق الرهانات الرياضية.

خطة حكومية

أكدت وزارة الشباب والرياضة أنها تعمل وفق خطة متكاملة تتضمن إجراءات تنفيذية وتوعوية ورقابية بالتعاون مع الجهات المختصة لمواجهة انتشار ظاهرة الرهانات الرياضية خاصة عبر المنصات والتطبيقات الإلكترونية وما تمثله من مخاطر على النشء والشباب والمجتمع الرياضي.

أوضحت الوزارة أنها تقوم بالتنسيق مع البنك المركزي المصري لاتخاذ الإجراءات اللازمة بشأن متابعة ورقابة التعاملات المرتبطة بالمراهنات الرياضية ضمن الجهود المشتركة لمواجهة مخاطر المنصات غير المشروعة والتصدي لأي ممارسات قد تضر بالأمن المجتمعي والاقتصادي.

إنفوجراف:<p><strong>170 مليار دولار قيمة مراهناتها فى الولايات المتحدة الأمريكية عام 2025</strong></br><strong>123 مليار دولار حجم سوق مراهناتها الأوروبية عام 2024</strong></br><strong>18%من مراهقي العالم مارسوا مراهنة عام 2025</strong></br><strong>40 مليار دولار حجم سوق مراهنة رياضية عالمياً عام 2024</strong>