رغم الخطوات المتسارعة التي تشهدها منظومة العدالة في مصر نحو التحول الرقمي وميكنة الإجراءات، فإن التطبيق العملي لهذه المنظومة ما زال يواجه العديد من التحديات الفنية والبشرية التي تعرقل تحقيق أهدافها المرجوة، فبين أعطال السيستم، وأخطاء إدخال البيانات، وضعف البنية التحتية التكنولوجية، يجد المتقاضون والمحامون أنفسهم في كثير من الأحيان أمام إجراءات معقدة وأخطاء متكررة، وهو ما يطرح تساؤلات حول مدى جاهزية المنظومة القضائية للتحول الكامل إلى النظام الإلكتروني وضرورة معالجة أوجه القصور لضمان تحقيق العدالة الناجزة وتسهيل الخدمات للمواطنين.

وفي هذا السياق، كشف عدد من المحامين عن أبرز المشكلات والتحديات التي تواجه تطبيق الميكنة داخل منظومة العدالة، حيث أكد أحمد عبدالحكم، المحامي، أن ميكنة منظومة العدالة خطوة مهمة لتطوير العمل القضائي، إلا أن تطبيقها ما زال يواجه تحديات عدة، أبرزها ضعف البنية التحتية التقنية في بعض المحاكم وعدم تدريب العاملين بشكل كافٍ على استخدام الأنظمة الإلكترونية واستمرار الفجوة بين النظام الورقي والإلكتروني.

وأشار إلى أن غياب الربط الإلكتروني الفعال بين النيابات ومكاتب الشهر العقاري يسبب تعطيلاً في الإجراءات ويجبر المحامين وأصحاب الشأن على التنقل بين الجهات للحصول على مستندات أو التحقق من بيانات مما يؤدي إلى إهدار الوقت وتأخير الفصل في القضايا.

وشدد على ضرورة إنشاء ربط إلكتروني مباشر بين الجهات القضائية والشهر العقاري وتوحيد قواعد البيانات وتفعيل الأرشفة الإلكترونية وتدريب العاملين بشكل دوري إلى جانب توفير دعم فني سريع للتعامل مع الأعطال، وأشار إلى أن هناك فجوة قائمة بين النظام الورقي والإلكتروني حيث يتم أحيانًا تكرار نفس الإجراءات في الشكلين مما يؤدي إلى ازدواجية العمل بدلاً من اختصار الخطوات وتسريعها وهو ما يتعارض مع الهدف الأساسي من تطبيق الميكنة.

كما دعا إلى تفعيل منظومة التقاضي الإلكتروني من خلال إتاحة رفع الدعاوى وسداد الرسوم وحضور بعض الجلسات عن بُعد بما يساهم في تقليل التكدس داخل المحاكم وتسريع إجراءات التقاضي.

واختتم تصريحاته بالتأكيد على أن تجارب بعض الدول العربية في التقاضي الإلكتروني أثبتت نجاحها في تسريع الفصل في القضايا ورفع كفاءة منظومة العدالة وهو ما يمكن الاستفادة منه في تطوير النظام القضائي المصري.

إلغاء الكعب الداير أحد مزايا التحول الرقمي

وأكد شعبان سعيد، المحامي، أن الميكنة في النيابة العامة والمحاكم تهدف إلى تيسير الإجراءات على المواطن والمحامي والقاضي وعضو النيابة إلا أن تطبيقها على أرض الواقع في مصر ما زال يواجه العديد من المشكلات أبرزها سقوط السيستم وضعف شبكة الإنترنت مما يؤدي إلى تعطيل مصالح المتقاضين فقد يقضي المحامي يوماً كاملاً لإنهاء إجراء واحد ثم يتعطل السيستم في نهاية الأمر ويضيع عليه اليوم دون إنجاز.

وسرد “سعيد” أبرز أوجه القصور الموجودة في الميكنة حيث إن تقديم الطلبات عبر موقع النيابة العامة للحصول على الأوراق والمستندات يستغرق وقتاً طويلاً قد يتجاوز أسبوعاً كاملاً حتى يصل الطلب إلى مكتب مقدم الطلب وغالبًا قد يصل المستند بصورة غير صحيحة أو غير محدثة كأن يتم إرسال حكم حبس قديم بينما حصل المتهم على البراءة في حكم ثاني درجة كما يضطر المحامي أحياناً لتقديم الطلب إلكترونياً ثم التوجه إلى مقر النيابة العامة للحصول على المستند بشكل يدوي.

ولفت إلى أن الميكنة بشكلها الحالي تفتح الباب أمام بعض الممارسات السلبية لبعض الموظفين لاستغلال المواطنين وابتزازهم نتيجة تعطل السيستم بشكل متكرر مما قد يؤدي إلى تعطيل مصالح المواطنين والمحامين مؤكداً أن الميكنة إذا لم تطبق بكفاءة قد تتحول من وسيلة للتيسير إلى عبء إضافي على المتعاملين مع منظومة العدالة.

وأضاف شعبان سعيد أن أحد أشكال القصور التي تواجه الميكنة أيضاً استمرار انتقال المحاضر بين الجهات المختلفة بصورة ورقية رغم وجود نظام إلكتروني موضحاً أن المحضر الذي يتم تحريره في قسم الشرطة يجب أن يصل مباشرة لوكيل النيابة بشكل إلكتروني إلا أن الواقع يشهد تأخراً طويلاً في انتقاله بصورة ورقية قد تمتد لأسابيع رغم أن الأصل هو سرعة تداول المعلومات بضغطة زر.

وتابع: حتى مباحث الإنترنت رغم كونها جهة تتعامل مع تكنولوجيا المعلومات ما زالت تعمل بطريقة تقليدية حيث يتم تحرير المحضر ثم يُقال إنه سيتم إرساله بعد نحو 20 يوماً بشكل ورقي صادر ووارد للقسم التابع له.

مسمى “الكعب الداير” وفق ما أكده “سعيد” يعد أحد أشكال القصور في الميكنة الرقمية حيث أوضح أنه لو تم استغلال الميكنة بشكل مثالي سيتم التخلص نهائياً مما يسمى “الكعب الداير” حيث تنتقل الإجراءات بين الأقسام والجهات المختلفة بسرعة مشيراً أنه إذا تم القبض على شخص في شرم الشيخ ثم يتبين لاحقاً أنه له قضية في العجوزة فإن الإجراءات تستغرق وقتاً طويلاً ومجهوداً كبيراً لنقل المتهم بين قسم وآخر رغم أنه يفترض بالنظام الإلكتروني تحديد موقفه القانوني بالكامل وإنهاء الإجراءات دون الحاجة لنقل المتهم بين المحافظات أو الدخول في دورات إجرائية مرهقة.

وكشف المحامي عن ضرورة أن تكون الميكنة حقيقية وفعالة كما يحدث في بعض دول الخليج بحيث يمكن للمحامي بمجرد سداد الرسوم إلكترونياً الحصول على الأوراق والمستندات فوراً بصيغة إلكترونية يتم تحميلها على جهازه وطباعة داخل مكتبه دون الحاجة للانتظار أو الانتقال لمقر النيابة مع إمكانية توفير أوراق رسمية مخصصة تحمل أرقامًا مسلسلة (Serial Number) لضمان المصداقية.

وأكد شعبان سعيد أن مصر لم تستفد بالشكل الكافي من التقنية بل إن الإجراءات أصبحت مرهقة وتحتاج لمزيد من المشاوير مع زيادة التكلفة والوقت مشيراً إلى أنه إذا تم تطبيق الميكنة بشكل صحيح ستوفر كثيرًا من الجهد على المواطنين والمحامين.

وأشار شعبان سعيد أيضاً لأهمية التوسع بتفعيل الجلسات الأونلاين خاصةً للقضايا المدنية كما هو مطبق بالفعل بالمحاكم الاقتصادية ولكن ينبغي توسيع نطاق ذلك مع أهمية وجود بروتوكولات تعاون بين النيابة العامة ونقابة المحامين لتنظيم الخدمات الإلكترونية وكذلك التعاون مع مصلحة الشهر العقاري لربط التوكيلات بالنظام بشكل مباشر.

واقترح الاستعانة بخبرات الشباب المتخصصين بالتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي بدلاً من الاعتماد على موظفين قد لا تتوافر لديهم الخبرة الكافية للتعامل مع الأنظمة الحديثة كما شدد على أهمية زيادة الإنفاق على البنية التحتية الرقمية والأجهزة والبرامج داخل الجهات القضائية موضحاً أن هذا التطوير يتطلب استثمارًا حقيقياً حتى لو ترتب عليه زيادة الرسوم لأن المواطن سيحصل بالنهاية على خدمة أسرع وأكثر كفاءة.

واختتم شعبان سعيد تصريحاته بالتأكيد على ضرورة تطوير منظومة الميكنة بشكل شامل لتحقيق نقلة نوعية كبيرة بمنظومة العدالة كما حدث سابقًا بخدمات الأحوال المدنية حيث أصبح بإمكان المواطن استخراج شهادات الميلاد والوفاة والمستخرجات الرسمية بسهولة ومن أي مكان آملاً الوصول لنفس المستوى بالخدمات القضائية والأحكام والإجراءات الجنائية والمدنية.

عيوب ومزايا التحول الرقمي بالمنظومة القضائية

أكد جبريل محمود، المحامي، أن التحول الرقمي بالمنظومة القضائية يمثل نقلة نوعية بالمعاملات القانونية لكنه يواجه تحديات جوهرية تتطلب مراجعة شاملة لضمان تحقيق الأهداف المرجوة منه.

أوضح جبريل محمود أن التحول الرقمي أثمر عن مكتسبات حقيقية للمحامين والمتقاضين أهمها توفير الجهد والوقت فسرعة الاستعلام عن القضايا واستخراج الشهادات أصبحت تتم إلكترونياً وتصل مباشرة لمكتب المحامي مما يغني عن مشقة زيارة المحاكم ويخفف الازدحام بالإضافة لسهولة الوصول للمعلومات وإتاحة الاطلاع السريع على أحكام القضاء.

وأشار أيضاً لتحويل “المحاكم الذكية” الذي يقلل الاعتماد على الأوراق وتصوير المستندات بالإضافة لتقليص فرص الاحتكاك المباشر بالإجراءات الإدارية مما يسهل سرعة البت ببعض القضايا وخاصةً الجنائية.

في المقابل لفت “جبريل” النظر لوجود عثرات تقنية وإدارية تعيق نجاح التحول الرقمي وأبرزها عبء الرسوم المرتبطة بالدفع الإلكتروني التي تمثل عبئًا ماليًا إضافيًا يتحمله كلٌّ من المحامي والمواطن.

Kذلك أزمة “السيستم” فقد انتقد تكرار الأعطال التقنية وضعف البنية التحتية معتبرًا عبارة “السيستم واقع” عقبة أمام سرعة الإنجاز مما يدفع بعض المحامين لتفضيل الطرق التقليدية لضمان حقوقهم.

وأكد جبريل أيضاً كثرة البيانات المطلوبة إدخالها بالنظام للحصول على الخدمة تصيب المتقاضين والمحامين بالإحباط داعيًا لتدريب الكوادر البشرية القائمة لضمان سلاسة التعامل معها موضحًا بأن متطلبات التحول الرقمي مثل توقيع إلكتروني وأجهزة حديثة وأنظمة تقنية متطورة تزيد تكاليف مزاولة المهنة مما يؤثر مباشرةً علي أتعاب ومصروفات المحاماة.

فيما يتعلق بالجانب الإعلامي أشار “جبريل” لصعوبات الصحفيين للوصول للمعلومات القضائية مؤكدًا ضرورة إيجاد معادلة دقيقة توازن بين حق الجمهور بالمعرفة وحماية البيانات الشخصية وسرية التحقيقات والدعاوى لضمان شفافية المنظومة دون المساس بحقوق التقاضي.

اختتم حديثه مؤكدًا بأن التحول الرقمي يجب أن يكون أداة حقيقية لتحقيق عدالة أسرع وأكثر كفاءة دون المساس بحقوق المتقاضين أو دور المحامي أو حق المجتمع بالمعرفة.

تقليل فرص التهرب من تطبيق العقوبة

وأوضح الدكتور عبدالله محمد المحامي ثمار تطبيق التقاضي الإلكتروني والتحول الرقمي تتمثل بتخفيف الضغط وتقليل الزحام بالمحاكم المصرية والقضاء علي الرشاوي وسرعة إنجاز الإجراءات والحد من الدخلاء والانتهازيين بأروقة المحاكم وتقليل وقائع التزوير بالشهادات والأحكام الصادرة يوميًا بالمئات والحماية من أخطار الحرائق والإتلاف والفقد وتقليل الزحام الذي تعاني منه محاكم مصر.

Additionally, the application of electronic justice aids in the swift execution of judgments and reduces the number of judgments that go unexecuted, allowing offenders to evade punishment due to outdated paper procedures while eliminating human errors in data entry or illegible handwriting and slow writing without printed templates being available most of the time.

Additionally, “عبدالله” noted that delays in the system for fee responses may exceed a day, hindering people’s rights and interests, emphasizing the need for a unified system, with successful examples like the General Authority for Investment providing effective electronic interactions.