تحيي الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، برئاسة قداسة البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، ذكرى نياحة القديسة بائيسة، التي ارتبطت سيرتها بقصة مؤثرة عن التوبة والرحمة وقبول الإنسان بعد العودة عن طريق الخطأ.
وُلدت القديسة بائيسة في مدينة منوف، من أبوين غنيين اتصفا بالتقوى والصلاح. وبعد وفاتهما ورثت مالًا وفيرًا، لكنها لم تنشغل بجمع المال أو التمتع به، بل جعلت منزلها مأوى للغرباء والمحتاجين والمساكين، حيث كانت تستقبل كل من يقصدها وتعمل على قضاء حاجته.
ومع مرور الوقت، نفد مالها بسبب كثرة ما قدمته للفقراء والمحتاجين. ثم تعرضت لتأثير أشخاص ذوي سيرة سيئة نجحوا في تغيير أفكارها ودفعها إلى طريق الخطيئة، فتحول منزلها الذي كان يومًا مأوى للمحتاجين إلى مكان ارتبط بسلوكيات بعيدة عن حياتها الأولى.
عندما وصل خبرها إلى شيوخ برية شيهيت، حزنوا عليها بشدة وتذكروا ما كانت تقدمه لهم من خير ومساعدة. فقرروا البحث عن وسيلة لإنقاذها ومساعدتها على العودة إلى طريق التوبة.
استدعوا القديس يوحنا القصير وطلبوا منه الذهاب إليها لصنع الرحمة مقابل الخير الذي سبق أن قدمته، ليساعدها على خلاص نفسها. فاستجاب القديس وطلب من الشيوخ أن يساندوه بصلواتهم.
توجه القديس يوحنا إلى المكان الذي كانت تقيم فيه القديسة بائيسة وطلب من الخادمة أن تخبر سيدتها بوجوده. وعندما علمت بوجوده، استدعته إليها، فدخل وهو يرتل قول المزمور: «إذا سرت في وادي الموت لا أخاف شرًا لأنك أنت معي».
بعد أن جلس معها، تحدث إليها بكلمات مؤثرة قائلًا: «لماذا استهنت بالسيد المسيح وأتيت بهذا الأمر الرديء؟».
كان لكلمات القديس وقع شديد عليها؛ ارتعدت وذاب قلبها. وعندما سألته عن سبب بكائه، أخبرها أنه يرى الشياطين تحيط بها وتلعب على وجهها، ولذلك يحزن عليها.
فسألته بائيسة: «وهل لي توبة؟»، فأجابها: «نعم، ولكن ليس في هذا المكان».
وعندها أعلنت استعدادها لترك حياتها السابقة وقالت له: «خذني إلى حيث تشاء»، فاصطحبها القديس إلى أحد أديرة الراهبات القريبة من جبل شيهيت. وهناك بدأت مرحلة جديدة من حياتها قائمة على التوبة والرجوع إلى الله.
عندما حل المساء طلب منها القديس أن تنام في مكانها بينما ابتعد هو عنها. وفي منتصف الليل وبينما كان قائمًا للصلاة رأى بحسب سيرتها عمودًا من نور نازلًا من السماء ومتصلًا بالأرض ورأى ملائكة الله يحملون روح بائيسة.
وعندما اقترب منها وجدها قد فارقت الحياة فسجد وصلى بحرارة ودموع طالبًا من الله أن يكشف له مصيرها. فجاءه صوت بحسب ما ترويه سيرتها معلنًا أن توبتها قُبلت في اللحظة التي تابت فيها.
بعد ذلك وارى القديس يوحنا جسدها التراب ثم عاد إلى شيوخ شيهيت وأخبرهم بما حدث فمجدوا الله مؤكدين في سيرتها معنى التوبة والرحمة وقبول الإنسان عندما يعود عن طريق الخطأ.
وتظل سيرة القديسة بائيسة في التراث القبطي الأرثوذكسي مرتبطة برسالة روحية واضحة مفادها أن باب التوبة يظل مفتوحًا أمام الإنسان وأن العودة الصادقة إلى الله يمكن أن تكون بداية جديدة مهما كانت قسوة الطريق الذي سبق ذلك.

