أوضح الشيخ محمد متولي الشعراوي في خواطره حول سورة التوبة، الفرق بين العرب والأعراب، مسلطًا الضوء على سبب وصف الله عز وجل للأعراب بالكفر والنفاق.

سورة التوبة الآية 97

قال تعالى: “الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ”.

تفسير الشيخ الشعراوي للآية 97 من سورة التوبة

قال الشيخ محمد متولي الشعراوي: تكلم الحق سبحانه وتعالى من قبل عن المنافقين من غير الأعراب، وهم العرب الذين نزل لهم وللناس كافة منهج الله. وهنا يتحدث عن الأعراب. فما الفرق بين العرب والأعراب؟ العرب هم سكان القرى المتوطنون في أماكن معينة، يتنقلون منها وإليها لأغراضهم، ومظهر ذلك هو البيوت الثابتة والتأهيل المستقر. أما الأعراب فهم سكان البوادي، ليس لديهم استقرار في مكان محدد، بل يتبعون مواطن الكلأ ولا يمتلكون توطناً أو ألفة بمكان معين. وهذا يعني أن كل واحد منهم ليس لديه سياسة عامة تحكمه في تلك البادية، وكما يقال، صوته يأتي من دماغه أو من دماغ رئيس القبيلة. ومع عدم الاستقرار هذا، لا تتشكل لديهم علاقات اجتماعية تقتضي اللين وحسن التعامل، لذا يُقال عن كل واحد منهم إنه (مستوحش) أي ليس له ألفة بمكان أو جيران أو قانون عام.

من هم الأعراب؟

وأضاف الشيخ الشعراوي: أما الذي يعيش في القرية ويتوطن بها فله جيران وقوانين تحكمه، وله ألفة بالمكان وألفة مع الآخرين. يتعاون مع غيره ويتكيف مع سكان القرية ويألفهم ويألفونه. ومع هذه الألفة والائتلاف يكون التعامل أكثر ليناً، على عكس من يعيش في البادية الذي يميل إلى القسوة والفظاظة والشراسة بسبب بيئته التي نضحت عليه والوحدة التي عزلته.

وتابع الشعراوي: إذا سمعت كلمة (الأعراب) فاعلم أنهم سكان البادية المعروفون بالغلظة؛ لأنه لا يوجد لديهم تجمع يشجع على سلوك لطيف وأدب تعامل. وكلمة (الأعراب) مفردها (أعرابي). وهناك أوجه للفرق بين المفرد والجمع مثل (عنب) و(عنبة)، حيث أن المفرد هو (عنبة). لذا فإن (الأعراب) هي جمع (أعرابي) وليست جمع عرب.

وهؤلاء مقسمون إلى قسمين: قسم له ألفة بالحضر لأن كل أهل الحضر قد يكون لهم بادية يلجؤون إليها. فالأعرابي عندما يذهب إلى البادية يكون ضيفًا عليهم ويسمون (المعارف). وكل واحد في البادية قد يكون له صديق في الحضر. وهناك قسم آخر لا بادية لهم ولا حاضرة.

لماذا الأعراب أشد كفراً ونفاقاً؟

وأوضح الشعراوي: بعد أن تناول الحق الحديث عن العرب ونفاقهم، هنا يتحدث عن الأعراب قائلاً: {الأعراب أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنزَلَ الله على رَسُولِهِ وَالله عَلِيمٌ حَكِيمٌ}. لماذا هم أشد كفراً ونفاقاً؟ لأنهم بعيدون عن مواطن العلم والدعوة، ولديهم غلظة وجفاء. وقوله سبحانه: {وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنزَلَ الله على رَسُولِهِ} يعني أنهم أولى بعدم معرفة حدود ما أنزل الله؛ لأن معرفة حدود ما أنزل الله من الأوامر والنواهي والحلال والحرام تأتي بالتواصل مع العلم، وهذا لا يتحقق بالتنقل المستمر بل يستلزم الاستقرار.

وأكد الشعراوي أن العلم هو ألا تغيب عن العالم قضية من قضايا الكون؛ وكل فرد منا يدرك علمًا بحسب تجربته وممارسته للحياة وبحسب جلوسه مع العلماء. لكن الله وحده يعلم علم الجميع. والعلم عند البشر يمكن أن يُوظَّف أو لا يُوظَّف. كثير من الناس يمتلكون العلم لكنهم لا يستفيدون منه؛ ومن لا يُوظِّف علمه يصبح علمه حجة عليه. أما من يُوظِّف علمه ويضع كل شيء في موضعه المناسب فهو يوصف بالحكمة لأنه وضع كل شيء في محله.

واختتم الشعراوي حديثه قائلاً: إذا شرع الله أمرًا فإنه سبحانه قد شرع بعلم وحكمة. وما دام قد شرع يجب ألا نخالفه؛ لأن كل تشريع ينزله الله على رسوله إنما هو لتنظيم حركة الحياة؛ لأنه سبحانه هو الذي خلق الحياة وكل المخلوقات. فلا ينبغي لأحد أن يتدخل ويشرع ما يغضب الحق؛ لأن فساد الكون جاء ممن أرادوا تقنين الخلق رغم أنهم لم يخلقوهم. يجب علينا ترك التقنين لمن خلق الخلق وهو العليم بحدود ما صنع ووضع قوانين صيانة لما خلق.