صوته يجمع بين الإحساس العميق لمعاني القرآن الكريم والتحكم الدقيق في المقامات الصوتية، مما يمنح المستمع شعورًا بالسكينة والطمأنينة خلال تلاوته للقرآن. إنه الشيخ محمود علي البنا، الذي تحل علينا اليوم ذكرى رحيله.
توافق اليوم، الاثنين، العشرين من يوليو، ذكرى وفاة الشيخ محمود علي البنا، أحد أبرز قراء القرآن الكريم في مصر.
يُعتبر الشيخ محمود علي البنا من كبار قراء القرآن الكريم الذين تربعوا على عرش التلاوة في مصر، حيث عُرفت تلاواته بالعذوبة والخشوع. وقد أسس الشيخ البنا مدرسة خاصة في التلاوة وأداءً متفردًا في قراءة القرآن الكريم.
يتميز الشيخ محمود علي البنا بدفء صوته وطابعه الملائكي في تلاواته. وقد استطاع بأسلوبه الفريد أن يجسد معاني الآيات بأسلوب يلامس قلوب المستمعين ويجعل العيون تفيض دموعًا. كانت تلاواته تصدح في أرجاء الوطن العربي والعالم الإسلامي عبر الإذاعات والشرائط الصوتية، ولا يزال صوته العذب يتردد في قلوب محبيه حتى اليوم.
حفظ الشيخ محمود علي البنا القرآن الكريم في كتاب القرية على يد الشيخ موسى المنطاش وهو في التاسعة من عمره.
ألقابه:.
لُقب البنا بـ “كروان القرآن” نظرًا لجمال صوته و”الصوت الحنون” و”سفير القرآن” و”الطفل المعجزة” و”صاحب الحنجرة الذهبية”. إذ كان لديه موهبة تقليد كبار المشايخ خاصة الشيخ محمد رفعت، مما أكسب صوته حلاوة وعذوبة مميزة. كما كان متميزًا في تقليد أصحاب القراءات المختلفة مثل الشيخ الشعشاعي ومحمد سلامة والسعودي.
مولده ونشأته:.
وُلد القارئ الشيخ محمود علي البنا في السابع عشر من ديسمبر عام 1926، ويعد من أعلام هذا المجال. وُلد البنا في قرية شبرا باص التابعة لمركز شبين الكوم بمحافظة المنوفية.
توجه الشيخ البنا إلى القاهرة عام 1945 وسرعان ما اشتهر وذاع صيته بين المقرئين والمشايخ. تعلم بسرعة علم المقامات والتجويد والتحق بالإذاعة المصرية عام 1948 حيث كانت أول قراءة له بالإذاعة في شهر ديسمبر من نفس العام.
اختير قارئًا لمسجد عين الحياة بحدائق القبة بشارع مصر والسودان (المعروف بمسجد الملك فاروق ثم مسجد الشيخ كشك). انتقل للقراءة بالجامع الأحمدي في طنطا عام 1959 وظل به حتى عام 1980 حيث تولى القراءة بمسجد الإمام الحسين حتى وفاته. ترك للإذاعة ثروة هائلة من التسجيلات، بما فيها المصحف المرتل الذي سجله عام 1967 والمصحف المجود لإذاعات السعودية والإمارات.
وصل الشيخ البنا إلى القاهرة عام 1945 وبدأ صيته يذيع فيها، ودرس علوم المقامات على يد الشيخ درويش الحريري. اختير قارئًا لجمعية الشبان المسلمين عام 1947 وكان يفتتح كل الاحتفالات التي تقيمها الجمعية.
في عام 1948م استمع إليه علي ماهر باشا والأمير عبد الكريم الخطابي وعدد من كبار الأعيان الحاضرين في حفل الجمعية الذين طلبوا منه الالتحاق بالإذاعة المصرية.
التحاقه بالأزهر الشريف:.
لم يكمل الشيخ البنا دراسته في الأزهر الشريف بسبب انشغاله بالقرآن الكريم. كان يقول عن نفسه: “أنا فشلت في الأزهر ونجحت الإذاعة”. تعلم القراءات العشر على يد الشيخ إبراهيم سلام المالكي بالمسجد الأحمدي بطنطا وأتم حفظها في عام 1945، وهو العام الذي شهد نقلة كبيرة في حياته حيث انتقل للعيش بالقاهرة.
التحاقه بالإذاعة المصرية:.
كان الشيخ محمود البنا أصغر القراء سنًا عندما التحق بإذاعة القرآن الكريم وكان عمره لم يتعدَّ الـ22 عامًا. كانت أول قراءة له على الهواء في ديسمبر 1948 من سورة هود وصار خلال سنوات قليلة أحد أشهر أعلام القراء في مصر.
قرأ في الحرمين والقدس:
ترك الشيخ للإذاعة ثروة هائلة من التسجيلات حيث سجل المصحف المرتل عام 1967 والمصحف المجود للإذاعة المصرية. كما قرأ القرآن في الحرمين الشريفين والحرم القدسي وسافر إلى دول عديدة لتلاوة القرآن.
Sفير للقرآن الكريم حول العالم:
زار الشيخ العديد من دول العالم، وقرأ القرآن بالحرمين الشريفين والحرم القدسي ومعظم الدول العربية وزار العديد من دول أوروبا. كان أيضًا ناشطًا من أجل إنشاء نقابة القراء واختير نائبًا للنقيب عند إنشاء النقابة عام 1984.
في عام 1967 سجل المصحف المرتل للإذاعة بناءً على طلب الرئيس الراحل جمال عبد الناصر.
الجوائز والتكريمات:
حصل الشيخ البنا على العديد من شهادات التقدير والأوسمة من مختلف الدول التي زارها، وتسلم هدية تذكارية من الرئيس عبدالناصر عام 1967 وميدالية تذكارية من القوات الجوية بمناسبة عيدها الخمسين عام 1982. حصل أيضًا على درع الإذاعة احتفالاً بعيدها الذهبي عام 1984 ومنحه الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى عام 1990 خلال الاحتفال بليلة القدر وتسلّم نجله الأكبر اللواء مهندس شفيق محمود علي البنا التكريمات المحلية بإطلاق اسمه على الشوارع الرئيسية بجوار المسجد الأحمدي بمدينة طنطا وفي محافظة سوهاج ومحافظة القاهرة كذلك.
تأسيس نقابة القراء:
ناهض الشيخ محمود علي البنا كثيرًا لإنشاء نقابة عامة لقراء القرآن الكريم والتي تأسست بعد جهد كبير عام 1984م وأصبح نائبًا لأول نقيب للقراء فضيلة الشيخ عبد الباسط عبد الصمد.
bالبنا والشعراوي:
ارتبط فضيلة الشيخ البنا بالإمام محمد متولي الشعراوي بعلاقة صداقة قوية؛ إذ أوصاه بأن يصلي عليه ويتقدم ما أسماه التشريفة عند جنازته التي خرجت يوم السبت الموافق عشرين يوليو 1985 إلى مثواه الأخير بجوار مسجده الذي لم يكتمل بنائه وقتها.
دعاء الشعراوي للشيخ عند قبره ختم دعائه بقوله: “اللهم أثبه خير ثواب عن كل حرف تلاه وعن كل من سمع حرفاً وعن كل ما أذيع له من القرآن الكريم.”
كان يشعر بأنه لا يزال هناك وقت قبل الرحيل؛ لذا طلب رؤية صديقه الشعراوي وأخبر أبناؤه بأنه يسجل خواطره.
لقاء الشعراوي بالشيخ قبل وفاته بساعات:
عُين الشيخ محمود علي البنا قارئًا بمسجد الإمام الحسين وتوطدت علاقته بإمام الدعاة حيث كان يسكن بنفس المنطقة ويحب أن يسمع القرآن بصوته.
قال عنه الشعراوي: “أحببته منذ أن رأيته ثم بعد ذلك أحببت ما يقدمه.” وظلا أصدقاء حتى وفاته.
وفاته:
توفي الشيخ بتاريخ عشرين يوليو 1985 الموافق الثالث من ذي القعدة لعام 1405 هـ عن عمر يناهز تسعة وخمسون عامًا بعد رحلة حافلة بالعطاء لخدمة كتاب الله.

