على بُعد نحو ثلاثة كيلومترات جنوب شرق واحة سيوة بالصحراء الغربية، يرتفع جبل “الدكرور” شامخاً بتلاله الجيرية ورواسبه الرملية ذات اللون المائل للحمرة، نتيجة غناها بأكاسيد الحديد والمعادن النادرة.

في هذا المكان الساحر، وتحت أشعة الشمس الحارقة خلال أشهر الصيف التي تمتد من منتصف يونيو وحتى منتصف سبتمبر، تتحول الواحة إلى مقصد عالمي ومركز رئيسي للسياحة العلاجية والاستشفاء الطبيعي. يتوافد الزوار من مختلف المحافظات والدول بعيداً عن صخب المستشفيات وأسعار الجراحات الباهظة، لتجربة “العلاج بالدفن في الرمال” أو ما يُعرف محلياً بـ “الردم”، وهي ممارسة شعبية متوارثة عبر الأجيال.

أسرار العلاج بالدفن في الرمال

حول أسرار هذا العلاج، يوضح الشيخ شريف السنوسي، صاحب أحد أشهر حمامات الرمال ومراكز الاستشفاء بجبل الدكرور، أن الردم ليس مجرد طقس تقليدي، بل هو رحلة استشفائية حرارية متكاملة تعتمد على طبيعة سيوة الخاصة. يتم تجهيز حفر الردم منذ ساعات الفجر الأولى لتختزن الرمال الموجات الحرارية والكهرومغناطيسية حتى الظهيرة.

يقول الشيخ السنوسي: “الردم في رمال سيوة جزء من تراثنا الذي توارثناه أباً عن جد. الرمال هنا غنية بالمعادن كالكبريت والماغنيسيوم والبوتاسيوم. عند إحاطة الجسم بها في درجات حرارة مرتفعة، تبدأ المسام في التفتح لامتصاص هذه العناصر وتصريف السموم والسوائل الارتشاحية عبر التعرق المكثف”.

ويتابع: “تساعد هذه الجلسات بشكل فعال في تخفيف آلام أمراض العظام والمفاصل كالروماتيزم والروماتويد وخشونة الركب وآلام العمود الفقري وغضاريف الرقبة والظهر. كما تلعب دورًا مهمًا في تحسين حالات تآكل مفصل الحوض وتنشيط الدورة الدموية”.

كما يشير صاحب حمام الرمال إلى الفوائد الممتدة للردم، حيث يساهم أيضاً في حرق الدهون وإذابتها تحت الجلد لإنقاص الوزن، ويضبط معدلات الحرق والهرمونات ويخلص الجسم من المخلفات الأيضية. يمتد تأثيره إلى الناحية النفسية والعصبية من خلال تفريغ الشحنات الكهرومغناطيسية الساكنة الناجمة عن الاستخدام المفرط للأجهزة الإلكترونية، مما يقلل التوتر ويحسن جودة النوم ويمنح الجسم استرخاءً عميقاً.

تجربة الدفن في الرمال بواحة سيوة

وعن التجربة الميدانية وكواليس رحلة التعافي، يروي علي ممدوح، أحد المواطنين الذين خاضوا تجربة الدفن في الرمال بواحة سيوة تفاصيل رحلته قائلاً: “تعرضت لآلام مفاجئة في الشرايين وكانت تكلفة جراحة تسليك الشرايين تتجاوز 200 ألف جنيه. قررت اللجوء إلى الردم الطبيعي بجبل الدكرور كما اعتدت أن أفعل سنوياً. المنظومة هنا دقيقة للغاية؛ حيث يبدأ اليوم بالنزول في البحيرات المالحة التي تحتوي مياهها على أكثر من 70 عنصراً معدنياً يتيح لجسمك الطفو تلقائياً. ثم أعقب ذلك الاسترخاء في ‘كهف الملح’ لتفريغ الطاقة السلبية قبل التوجه إلى المردم”.

استكمل ممدوح شرح خطوات البروتوكول اليومي للدفن موضحاً: “يبدأ النزول في الرمال حوالي الساعة الثانية ظهراً حيث يُدفن الجسم كاملاً في الحفرة الساخنة لمدة تتراوح بين 15 إلى 25 دقيقة وفقاً لدرجة تحمل المريض وتوصية المعالج. وفور الخروج من الرمال ينتقل المريض مباشرة إلى خيمة محكمة الغلق تعمل كساونا طبيعية تعتمد على حرارة الشمس لمنع التعرض لأي تيار هواء قد يتسبب في ‘لفحة برد’، حيث يستمر التعرق بغزارة لمدة لا تقل عن 20 دقيقة”.

وأضاف ممدوح مستعرضاً المرحلة الأخيرة من الجلسات اليومية: “بعد الخروج من الخيمة يُقدم للمريض مشروبات دافئة مثل اليانسون والحلبة والليمون الدافئ لتعويض السوائل المفقودة. ثم يرتدي بالطو خاصاً وينقل إلى مقر إقامته للراحة والتغطية لضمان استمرار خروج السموم”.

تابع ممدوح: “في اليوم الثالث والأخير من الجلسات يتم تدليك الجسم كاملاً بزيت الزيتون النقي لفك تشنجات العضلات تليها جلسات حجامة موضعية لرفع كفاءة الجسم. لكن الأمر يتطلب الالتزام بشروط صارمة؛ إذ يُمنع الاستحمام أو ملامسة الماء للجسد طوال أيام العلاج وحتى اليوم السادس باستثناء الوضوء الخفيف. كما يُحظر الجلوس أمام التكييفات والمراوح أو تناول أي مشروبات وأطعمة مثلجة”.

يجدر بالذكر أن هذا العلاج التقليدي يعمل جنباً إلى جنب مع إجراءات السلامة الحديثة؛ حيث يتواجد داخل مركز العلاج طبيب دائم لمتابعة قياسات الضغط والاطمئنان على الحالة الصحية للزوار قبل وبعد عملية الدفن. بالإضافة إلى توفر عيون مياه كبريتية دافئة وجلسات تدليك متخصصة بالزيوت الطبيعية.

اقرأ أيضًا:
شوم وأسلحة بيضاء في جلسة الصلح.. القصة الكاملة لجريمة “كفور الرمل” بالمنوفية -صور.

لغز حفرة 59 صحراوي.. بلاغ الأب يكشف جريمة مقتل فتاة على يد شقيقها بالإسكندرية.