في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، وما تفرضه الأزمات المتلاحقة من تحديات أمنية وسياسية واقتصادية، تتزايد الدعوات إلى إعادة صياغة مفهوم الأمن الإقليمي بما يتناسب مع طبيعة المرحلة الجديدة. أثبتت التطورات الأخيرة أن الاعتماد على الترتيبات الأمنية التقليدية لم يعد كافيًا للتعامل مع المخاطر المتشابكة، وأن دول المنطقة أصبحت أمام حاجة متزايدة لبناء منظومة أكثر استقلالية تقوم على التعاون المشترك واحترام سيادة الدول.

وفي هذا السياق، يبرز الحديث عن ضرورة تأسيس نظام أمني إقليمي يكون نابعًا من إرادة دول المنطقة نفسها، بعيدًا عن أي أشكال للوصاية أو الاعتماد الكامل على القوى الخارجية. هذا النظام يضمن امتلاك دول الإقليم زمام المبادرة في تحديد أولوياتها الأمنية والسياسية وتعزيز قدرتها على مواجهة التحديات المشتركة.

تأسيس نظام أمني إقليمي:.

أكد السفير محمد العرابي، وزير الخارجية الأسبق، أن مرحلة ما بعد استقرار الأوضاع في الإقليم ستفرض ضرورة التوصل إلى نظام أمني إقليمي جديد. وشدد على أن هذا النظام يجب أن يكون قائمًا على رؤية مشتركة تصنعها دول المنطقة، وليس مفروضًا من الخارج.

وكشف العرابي خلال كلمته في مؤتمر ميونخ للأمن بالتعاون مع مركز سيتا التركي للدراسات، والمنعقد على هامش قمة حلف شمال الأطلسي بالعاصمة التركية أنقرة، عن وجود تحرك دبلوماسي مصري يستهدف تعزيز التنسيق الإقليمي. وأشار إلى أن مصر بدأت بالفعل في بلورة إطار تعاون موسع يضم مصر والمملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان.

وأوضح وزير الخارجية الأسبق أن هذا التحرك يقوم على تنسيق متعدد الأبعاد بين الدول الأربع. مؤكدًا أن الهدف منه ليس تشكيل تكتل موجه ضد أي طرف أو قوة إقليمية أو دولية، وإنما الوصول إلى رؤية استراتيجية مشتركة تمتلكها دول المنطقة بصورة كاملة بما يخدم مصالحها ويعزز استقرارها.

مبادئ هلسنكي كنقطة انطلاق.

أشار السفير العرابي إلى أن اتفاق هلسنكي لعام 1975 يتضمن عددًا من المبادئ التي يمكن الاستفادة منها عند وضع تصور جديد لأمن الشرق الأوسط، خاصة ما يتعلق باحترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها.

وأكد في الوقت ذاته ضرورة مراعاة اختلاف الظروف الحالية عن فترة الحرب الباردة. موضحًا أن طبيعة النظام الدولي اليوم تختلف عن المرحلة التي شهدت توقيع الاتفاق، كما أن تركيبة الشرق الأوسط وتحدياته الأمنية والسياسية لها خصوصيتها التي تتطلب مقاربة مختلفة تتناسب مع واقع المنطقة.

وشدد العرابي على أن احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية يمثلان أساسًا لا غنى عنه لتحقيق سلام مستدام في المنطقة. وأكد أن أي منظومة أمنية ناجحة يجب أن تقوم على قواعد واضحة تضمن احترام استقلال الدول وتعزز الثقة المتبادلة بينها.

ودعا إلى دراسة اتخاذ خطوات عملية نحو تعزيز التعاون الدفاعي والتكامل العسكري بين دول المنطقة بما يساهم في مواجهة التحديات المشتركة ورفع قدرات الدول على حماية أمنها القومي.

التعاون الاقتصادي ضرورة لحماية الأمن القومي.

ولفت وزير الخارجية الأسبق إلى أن التكامل الاقتصادي أصبح ضرورة ملحة في المرحلة الراهنة، خاصة في ظل الأزمات الاقتصادية المتشابكة التي تواجه مختلف دول العالم. مشيرًا إلى أن تعزيز التعاون بين دول الإقليم لم يعد خيارًا بل أصبح مطلبًا أساسيًا لدعم الاستقرار والتنمية.

وأكد أن مفهوم الأمن القومي لم يعد مقتصرًا على الجوانب العسكرية فقط، بل أصبح يشمل الأبعاد الاقتصادية والسياسية والتنموية وهو ما يجعل تعزيز الشراكات الإقليمية أحد العوامل الرئيسية لحماية مصالح دول المنطقة وتحقيق مستقبل أكثر استقرارًا.

وشدد على أن بناء نظام أمني إقليمي جديد يتطلب إرادة سياسية حقيقية وتنسيقًا مستمرًا بين دول المنطقة بما يسمح بإيجاد حلول نابعة من الداخل ويمنح الشرق الأوسط فرصة أكبر لتحقيق الأمن والاستقرار بعيدًا عن الأزمات والتجاذبات الخارجية.