دخل الذهب العالمي مرحلة جديدة من الترقب، بعدما وجد المعدن النفيس نفسه تحت ضغط مزدوج من ارتفاع عوائد السندات العالمية وصعود أسعار النفط، في وقت تترقب فيه الأسواق إشارات جديدة من مجلس الاحتياطي الفيدرالي بشأن مسار أسعار الفائدة خلال الفترة المقبلة.
واستقرت أسعار الذهب في التعاملات المبكرة اليوم الأربعاء، بعد موجة هبوط حادة في الجلسة السابقة، مع تراجع عوائد سندات الخزانة الأمريكية عن أعلى مستوياتها الأخيرة، حيث ينتظر المستثمرون صدور محضر اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي لشهر يوليو مساء اليوم بحثًا عن مؤشرات تكشف اتجاه السياسة النقدية الأمريكية في اجتماع سبتمبر المقبل.
الذهب في المعاملات الفورية
وارتفع الذهب في المعاملات الفورية بنسبة 0.2% ليصل إلى نحو 4342.33 دولار للأونصة، بينما تراجعت العقود الأمريكية الآجلة للذهب تسليم ديسمبر بنحو 0.6% إلى 4396.30 دولار.
ويأتي ذلك بعدما تعرض المعدن الأصفر لضغوط قوية في جلسة أمس الثلاثاء، عندما هبط الذهب الفوري بنحو 2%، وهي واحدة من أكبر خسائره اليومية خلال الفترة الأخيرة، بالتزامن مع موجة بيع واسعة في أسواق السندات العالمية وارتفاع عوائد أدوات الدين طويلة الأجل.
السندات: الخطر الأكبر على الذهب
تتمثل إحدى أبرز مشكلات الذهب حاليًا في ارتفاع عوائد السندات، إذ إن المعدن النفيس لا يوفر عائدًا دوريًا لحائزيه، مما يجعل الاحتفاظ به أقل جاذبية عندما ترتفع عوائد الأصول المنافسة.
وقد ارتفع العائد على سندات الخزانة الأمريكية لأجل 30 عامًا إلى مستويات لم يشهدها منذ عام 2007، بينما تجاوز عائد السندات لأجل 10 سنوات مستويات مرتفعة أيضًا قبل أن تتراجع العوائد في تعاملات اليوم الأربعاء.
ولا تقتصر موجة ارتفاع العوائد على الولايات المتحدة فقط، فقد شهدت أسواق السندات في اقتصادات كبرى مثل اليابان وألمانيا وفرنسا ارتفاعًا في تكاليف الاقتراض طويلة الأجل إلى مستويات تاريخية مرتفعة، وسط مخاوف بشأن التضخم والديون الحكومية وزيادة إصدارات السندات. تشكل هذه التطورات ضغطًا مباشرًا على الذهب لأن ارتفاع العوائد يزيد تكلفة الفرصة البديلة للاستثمار في أصل لا يدر دخلاً.
أسعار النفط تقلب المعادلة
المفارقة أن ارتفاع أسعار النفط، الذي يفترض عادة أن يعزز الطلب على الذهب باعتباره أداة للتحوط من التضخم، أصبح يعمل في الاتجاه المعاكس. فصعود أسعار الطاقة يرفع المخاوف من عودة الضغوط التضخمية، مما قد يدفع البنوك المركزية إلى الإبقاء على أسعار الفائدة المرتفعة لفترة أطول. وهذا يعني استمرار ارتفاع عوائد السندات وزيادة الضغوط على الذهب.
وصعدت أسعار النفط للجلسة الرابعة على التوالي اليوم الأربعاء، وسط استمرار حالة عدم اليقين المرتبطة بمضيق هرمز وتضارب التصريحات الأمريكية والإيرانية بشأن وضع الملاحة فيه.
وبذلك يجد الذهب نفسه أمام معادلة غير معتادة حيث تدعم التوترات الجيوسياسية الطلب على الملاذات الآمنة لكنها ترفع أيضًا أسعار الطاقة مما قد يدعم التضخم ويؤخر خفض الفائدة وبالتالي يضغط على الذهب.
محضر اجتماع الاحتياطي الفيدرالي
تتجه الأنظار الآن إلى محضر اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأخير إذ تسعى الأسواق إلى معرفة حجم الخلاف بين صانعي السياسة النقدية بشأن الخطوة المقبلة.
وكان الفيدرالي قد أبقى أسعار الفائدة دون تغيير في اجتماع يوليو لكن القرار لم يكن بالإجماع مما يعكس استمرار الخلاف حول مستوى التشديد النقدي المطلوب لمواجهة التضخم.
وتراجعت رهانات المتعاملين على رفع الفائدة في سبتمبر مقارنة بالأسبوع السابق بعد ظهور بيانات اقتصادية أمريكية أكثر ليونة منها تباطؤ التضخم وضعف بعض مؤشرات النشاط الاقتصادي.
تشكل هذه التوقعات عامل دعم محتمل للذهب إذ إن انخفاض أسعار الفائدة أو توقعاتها يقلل تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالمعدن النفيس لكن الطريق إلى خفض الفائدة لا يزال غير ممهد بالكامل خصوصًا مع استمرار مخاطر ارتفاع أسعار الطاقة.
هل يتغير اتجاه الذهب؟
يرى محللون أن مسار الذهب خلال الفترة المقبلة سيتوقف بدرجة كبيرة على العلاقة بين عوائد السندات وتوقعات السياسة النقدية الأمريكية. فإذا واصلت العوائد ارتفاعها فقد يظل الذهب تحت الضغط حتى مع استمرار التوترات الجيوسياسية. أما إذا هدأت سوق السندات وبدأت توقعات خفض الفائدة بالعودة بقوة فقد يستعيد المعدن الأصفر جاذبيته خاصة مع استمرار مشتريات البنوك المركزية واهتمام المستثمرين بالذهب كأداة لتنويع المحافظ والتحوط من المخاطر.
تشير تقديرات المحللين إلى أن الذهب يحتاج إلى تسارع الطلب الاستثماري حتى يتمكن من استعادة مستويات قياسية جديدة بينما يرى محللون آخرون أن استمرار ارتفاع أسعار النفط يمثل أحد أهم العوامل التي قد تحد من مكاسب المعدن خلال الفترة القريبة.
على المستوى الفني تراقب الأسواق مستويات الدعم القريبة للذهب إذ إن استمرار موجة البيع قد يدفع الأسعار لاختبار مستويات أدنى وتشير تقديرات تحليلية إلى أن كسر مستوى 4381 دولارًا للأونصة قد يفتح المجال أمام تحركات باتجاه نطاق 4320 إلى 4351 دولارًا.
وفي المقابل فإن عودة العوائد الأمريكية إلى التراجع بالتزامن مع انخفاض توقعات رفع الفائدة قد تعيد المشترين إلى السوق وتدفع الذهب لاستعادة مستويات أعلى.
موجة الصعود الجديدة للذهب
يبقى السؤال الأكبر أمام المستثمرين: هل يستطيع الذهب استئناف موجته الصاعدة والوصول إلى مستويات 5000 دولار للأونصة أم أن ارتفاع عوائد السندات سيجبر السوق على إعادة تقييم توقعاته؟ حيث يرى محللو بنك أوف أمريكا أن سلوك المستثمرين الحالي يبدو أكثر اتساقًا مع سعر قريب من 4000 دولار للأونصة مقارنة بمستوى 5000 دولار مشيرين إلى أن الوصول للمستوى الأعلى يحتاج لتسارع واضح في الطلب الاستثماري.
ومن ثم فإن المعركة الحالية في سوق الذهب لا تدور فقط حول التضخم أو التوترات الجيوسياسية وإنما حول من سيفرض اتجاهه أولاً بين عوائد السندات وتوقعات الفائدة والمخاطر الجيوسياسية.
تشير حركة الأسواق الحالية إلى أن عوائد السندات أصبحت أحد أهم مفاتيح اتجاه الذهب بينما يمثل محضر الفيدرالي وبيانات التضخم وسوق العمل المقبلة عوامل حاسمة في تحديد ما إذا كانت الأسعار ستستعيد مسارها الصاعد أم ستدخل مرحلة أطول من التصحيح.

