افتتح الدكتور علي عمر الفاروق، رئيس القطاع الشرعي بدار الإفتاء المصرية، دورة «منهجية الفتوى المعاصرة» التي ينظمها مركز التدريب بدار الإفتاء المصرية لمجموعة من الدارسين الماليزيين، وذلك نيابة عن مفتي الجمهورية.

جاء ذلك بحضور الدكتور محمد وسام، عضو الهيئة الاستشارية العليا لمفتي الجمهورية. وأوضح أن التعامل مع مستجدات العصر يتطلب الجمع بين الأصول الشرعية الثابتة ومتغيرات المجتمع، حيث قدمت دار الإفتاء المصرية تجربة متميزة في تحقيق هذا التوازن. يتضح من منهجها أن الفتوى لا تجمد عند ظاهر النص بمعزل عن الواقع، بل تستند إلى فهم النصوص ومقاصدها وتنزيلها على الوقائع المستجدة. فبينما النصوص الشرعية متناهية، فإن الوقائع والنوازل غير متناهية، مما يجعل الفقيه بحاجة إلى فقه واعٍ بالواقع وقادر على استيعاب تطوراته دون المساس بثوابت الشريعة.

وأشار الدكتور علي عمر إلى أن الإفتاء في مصر يمتد بجذوره إلى عصر الصحابة، حيث كان الصحابي عقبة بن عامر الجهني وعبد الله بن عمرو بن العاص من أوائل من أسهموا في تأسيس ممارسة الإفتاء في مصر. وقد أخذ عنهم التابعون ومن جاء بعدهم. بدأ الإفتاء كجهود فردية تطوعية ثم تطور تدريجيًا مع إسناد بعض الولاة مهمة الفتوى إلى العلماء وظهور علماء جمعوا بين القضاء والإفتاء، مثل القاضي عبد الله بن لهيعة. كما برز الإمام الليث بن سعد كأحد أعلام الفقه في مصر حتى استقر الإمام الشافعي فيها وأصبح له حضور علمي بارز. لم يكن الإفتاء في تلك المراحل نظاميًا بالصورة المعروفة لاحقًا بل كان يمارس عبر العلماء والمجالس العلمية. تطور الأمر في العصر المملوكي خاصة في عهد السلطان الظاهر بيبرس الذي نظم القضاء على المذاهب الفقهية المختلفة، مما شكل نواة مبكرة للتنظيم المؤسسي للإفتاء. ثم مر الإفتاء بمراحل أخرى خلال العصر العثماني وصولًا إلى إنشاء دار الإفتاء المصرية عام 1895م، حيث أصبح أكثر تنظيمًا ومؤسسية.

وأوضح رئيس القطاع الشرعي أن المدرسة الفقهية المصرية تتميز بالتعددية وعدم الانغلاق على مذهب واحد. أسهم وجود مدارس فقهية متعددة في اتساع أفق العلماء وقبول الرأي الآخر. إذ لا يعني اختلاف الفقهاء خروج أحدهم عن مقتضى الشريعة. فالفقه يقوم على استنباط الأحكام وفهم أصولها وقواعدها، بينما الفتوى هي التطبيق العملي لهذا الفقه على الوقائع والأحداث والنوازل. وبالتالي فإن الفتوى بنت عصرها لأنها تتعامل مع واقع متغير ومستجدات تؤثر في حياة الناس وسلوكهم. وهذا يتطلب من المفتي فهم حقيقة المسألة قبل إصدار الحكم فيها والاستعانة بأهل الاختصاص عند ارتباط القضية بمجال معرفي أو علمي يحتاج إلى خبرة متخصصة.

وتطرق الدكتور علي عمر إلى عدد من المحطات المهمة في تاريخ الفتوى المصرية مستعرضًا فتوى الشيخ محمد بخيت المطيعي بشأن التصوير الفوتوغرافي التي تمثل نموذجًا لسعة الأفق الفقهي وأهمية تحقيق مناط الحكم. تناول الشيخ طبيعة التصوير الجديد واستعان بأهل الاختصاص لفهم حقيقته انطلاقًا من قاعدة أن الحكم على الشيء فرع عن تصوره موضحًا أن التصوير الفوتوغرافي لا يندرج تحت مضاهاة خلق الله بل هو إثبات لصورة خلقها الله تعالى. كما ذكر فتوى البنوك لفضيلة الإمام الأكبر الدكتور محمد سيد طنطاوي التي أعادت توصيف العلاقة بين المودع والبنك وفق طبيعة المعاملة المصرفية، فضلاً عن فتوى ختان الإناث لفضيلة الدكتور علي جمعة التي تناولت المسألة وفق طبيعتها وآثارها وما يترتب عليها من مصالح ومفاسد.

المنهج الإفتائي الرشيد لا ينفصل عن حركة المجتمع وتطور احتياجاته

اختتم الدكتور علي عمر حديثه موضحًا أن المنهج الإفتائي الرشيد لا ينفصل عن حركة المجتمع وتطور احتياجاته بل يقوم على الجمع بين التأصيل الشرعي وفهم الواقع واستشراف مستجداته. فالمفتي لا يتعامل مع الوقائع باعتبارها صورًا جامدة بل ينظر في حقيقتها وأسبابها وآثارها ثم يردها إلى أصولها الشرعية ومقاصدها الكلية، مما يجعل الفتوى قادرة على أداء وظيفتها في توجيه حياة الناس ومعالجة ما يستجد لهم من قضايا ونوازل. وأكد أن المرونة الفقهية لا تعني التنازل عن الثوابت أو تجاوز النصوص بل تعني القدرة على تنزيل الأحكام الشرعية على الوقائع المتغيرة وفق منهج علمي منضبط، وأن المحافظة على هذا التوازن تمثل أحد أهم مقومات الإفتاء الرشيد في العصر الحديث مما يعزز الثقة بالخطاب الإفتائي ويجعله أكثر قدرة على الاستجابة لقضايا المجتمع وتحدياته.

هذا وتأتي دورة «منهجية الفتوى المعاصرة» ضمن إطار التعاون العلمي بين دار الإفتاء المصرية ودولة ماليزيا الشقيقة وامتدادًا لجهود الدار في تعزيز جسور التواصل العلمي مع المؤسسات العلمية والإفتائية والباحثين وطلاب العلم من مختلف الدول بما يتيح تبادل الخبرات والمعارف والتجارب في مجال الإفتاء ويوفر للدارسين الماليزيين فرصة للتعرف بصورة مباشرة على المنهج الذي تتبناه دار الإفتاء المصرية في التعامل مع القضايا المعاصرة ولا سيما ما يتعلق بفقه الواقع وتحقيق المناط ومراعاة مقاصد الشريعة والاستفادة من العلوم والتخصصات المختلفة عند بحث النوازل.