أثار استمرار احتجاز السلطات الصهيونية للطالبة الفلسطينية التي تحمل الجنسية الأمريكية، سما صافي (20 عاماً)، موجة من الردود السياسية داخل الولايات المتحدة، تسلط الضوء مجدداً على ملف حماية المواطنين الأمريكيين في الخارج ومحددات العلاقة بين واشنطن وتل أبيب.

وفي أحدث المواقف الرسمية، أعرب النائب في الكونغرس الأمريكي، ديريك تران، الثلاثاء، عن قلقه البالغ إزاء تمديد اعتقال صافي، مؤكداً أن الولايات المتحدة تتحمل مسؤولية قانونية وأخلاقية مباشرة لحماية مواطنيها.

وحثّ تران وزير الخارجية والمسؤولين في إدارة الرئيس دونالد ترامب على تفعيل كافة الأدوات الدبلوماسية المتاحة للضغط على الجانب الصهيوني وضمان إعادتها إلى وطنها بأمان.

ويأتي هذا التحرك التشريعي في وقت تواجه فيه الإدارة الأمريكية ضغوطاً متزايدة من منظمات حقوقية ومجموعات ضغط، تطالب بضرورة التعامل بمسافة واحدة مع قضايا احتجاز المواطنين الأمريكيين، بغض النظر عن خلفياتهم العرقية أو السياسية، خاصة عندما يتعلق الأمر بحليف استراتيجي كالكيان الصهيوني.

وبناءً على هذه التطورات، يطرح التقرير الإشكالية التالية: إلى أي مدى تكشف قضية الطالبة سما صافي عجز وثيقة المواطنة الأمريكية عن حماية حامليها من أصول فلسطينية أمام غطرسة الاحتلال؟ وكيف تحولت المساعدات العسكرية المليارية لواشنطن من أداة ضغط مفترضة إلى قيد يُكبّل دبلوماسيتها ويُكرّس سياسة ازدواجية المعايير؟

بداية القصة.

بدأت فصول المعاناة عند الساعة الثالثة فجراً، عندما اقتحمت قوة مدججة من جيش الاحتلال بلدة بيرزيت، مستهدفةً منزل عائلة الطالبة سما صافي. وعمد الجنود إلى تحطيم الأبواب واقتحام البيت بعنف مفرط، مسبّبين حالة من الترهيب والفزع بين أفراد عائلتها.

ورغم قيام العائلة بإبراز الوثائق الثبوتية للضابط المسؤول، وتأكيدهم على أن سما مواطنة أمريكية تتمتع بحماية قانونية ودبلوماسية مفترضة، إلا أن جنود الاحتلال تجاهلوا جنسيتها تماماً؛ حيث قاموا بمصادرة هاتفها وحاسوبها المحمول، واقتادوها مكبلة الأيدي ومعصوبة العينين إلى سجن عوفر العسكري، قبل نقلها لاحقاً إلى زنازين مركز تحقيق المسكوبية بالقدس المحتلة، وفق ما نقلته وسائل إعلام فلسطينية.

ملف طبي حرج تحت التعتيم.

يكتسب هذا الاعتقال التعسفي بعداً إنسانياً وحقوقياً بالغ الخطورة في ظل التعتيم الشديد الذي تفرضه سلطات الاحتلال على الوضع الصحي لصافي. فالطالبة المعتقلة تعاني من مرض وراثي ومزمن يُعرف بـ”حمى البحر الأبيض المتوسط العائلية”، وهي حالة صحية معقدة تتطلب رعاية دقيقة ونظاماً علاجياً صارماً عبر جرعات دوائية يومية منتظمة.

ويحذر أطباء ومنظمات حقوقية من أن ظروف الاحتجاز القاسية وحرمان سما من أدويتها داخل الزنازين يهدد حياتها بشكل مباشر، إذ يعرضها لنوبات ألم حادة في المفاصل والأعضاء، وارتفاعات مفاجئة وخطيرة في درجات الحرارة وسط إهمال طبي متعمد من مصلحة السجون الصهيونية.

أبعاد وخلفيات القضية في الميزان السياسي.

أكد المحلل السياسي عمار سيغة، في حديثه لموقع “الأيام نيوز”، أن قضية اعتقال الطالبة الأمريكية من أصول فلسطينية، سما صافي، تفتح جملة من التساؤلات العميقة حول مدى الفعالية والحماية الحقيقية التي يوفرها جواز السفر الأمريكي لمواطنيه من أصول عربية وفلسطينية في الخارج.

واعتبر أن مطالبة وزير الخارجية الأمريكي وإدارة ترامب بالتدخل العاجل تؤشر على أن القضية تتجاوز أبعادها الإنسانية والقانونية التقليدية، لتكشف عن تحول أعمق في طريقة تعامل الإدارة الأمريكية مع الكيان الصهيوني وسياساته التي تجاوزت الحدود المقبولة.

ويرى سيغة أن هذا التحيز والدعم المستمر يأتي في وقت يقود فيه الاحتلال محاولات تشويش مستمرة ضد المفاوضات الأمريكية الإيرانية، من خلال هجماته المتكررة في المنطقة، والتي تجسدت مؤخراً في استهدافه للضاحية الجنوبية في العاصمة اللبنانية بيروت.

وفي سياق تحليله لأبعاد الأزمة، أوضح عمار سيغة لـ”الأيام نيوز” أن قضية سما صافي تتقاطع بشكل مباشر مع قضايا سابقة تعرض فيها مواطنون يحملون الجنسية الأمريكية لانتهاكات واغتيالات ممنهجة من قِبل الاحتلال، مستشهداً بملف اغتيال الصحفية شيرين أبو عاقلة، واستهداف عدد من الناشطين الفلسطينيين الحاملين للجنسية الأمريكية.

ويرى سيغة أن تكرار هذه الحوادث يضرب في العمق مصداقية ووزن جواز السفر الأمريكي وقيمته الدبلوماسية، ويكرس بوضوح ازدواجية المعايير في تعامل واشنطن مع رعاياها بناءً على أصولهم الإثنية والعرقية؛ إذ تتعامل أجهزة الأمن الصهيونية مع هؤلاء المواطنين باعتبارهم فلسطينيين بدرجة أولى، وتطبق بحقهم القوانين العسكرية الصارمة ضاربة بجنسيتهم الأمريكية عرض الحائط.

وأضاف سيغة أن هذا السلوك الصهيوني يضع الإدارة الأمريكية تحت طائلة النقد والضغط الداخلي المتزايد، خصوصاً في ظل توغل اللوبي الصهيوني والكتل السياسية المؤيدة للاحتلال داخل مراكز صنع القرار في واشنطن، والتي تدفع باتجاه تقديم الأمن القومي الصهيوني وتكريسه فوق كل الاعتبارات الحقوقية وقوانين حقوق الإنسان، بما في ذلك حقوق المواطنين الأمريكيين أنفسهم.

وهذا المشهد، بحسب السردية الصهيونية التي تزعم أن الضغط على تل أبيب يمثل إضعافاً لأمنها، يجرد وثيقة المواطنة الأمريكية من قيمتها الحمائية الحصينة الحقيقية، ويحرم حامليها من حق الحصانة حتى وإن كانوا فوق الأراضي الفلسطينية المحتلة.

أهداف محصورة.

حول طبيعة السقف المتوقع للتحرك الدبلوماسي الأمريكي، قرأ الأستاذ عمار سيغة هذا التحرك ضمن الأطر الروتينية والتقليدية المعتادة، مؤكداً لـ”الأيام نيوز” أن أهدافه تظل محصورة في امتصاص غضب المنظمات الحقوقية والناشطين وتهدئة أي احتقان أو غضب قد يكتنف الرأي العام الأمريكي، دون المساس بجوهر العلاقات والروابط الاستراتيجية المتينة مع تل أبيب.

وينحصر هذا التحرك الروتيني في مسارين؛ الأول إنساني وصحي يركز على الوقوف على الحالة الصحية للمعتقلة سما صافي وضمان تلقيها الحد الأدنى من العلاج، لا سيما وأن التقارير الإعلامية تشير إلى معاناتها من مرض مزمن؛ والثاني مسار قانوني إجرائي يسعى لتسريع إجراءات محاكمتها أو الإفراج عنها كخطوة لاحتواء الأزمة وتجنب أي تأويلات أو قراءات إعلامية قد تُفسر الأمر كإملاءات أمريكية مباشرة على القضاء العسكري الصهيوني وبما يحافظ على مسافة التوازن التقليدية المرسومة بين واشنطن وتل أبيب.

واختتم المحلل السياسي عمار سيغة حديثه بالإشارة إلى أن هذه الإجراءات التعسفية لسلطات الاحتلال وردة الفعل الأمريكية تضع الإدارة الحالية في مواجهة تحدٍ حقيقي تحكمه الحسابات الانتخابية المعقدة وتوازنات القوى الداخلية.

فبينما يتدخل اللوبي الصهيوني بقوة لتوجيه الرأي العام الداخلي وصياغة مواقف السياسة الخارجية الأمريكية بما يخدم مصالح الكيان تجد واشنطن نفسها عاجزة عن تقديم حماية فعلية لمواطنيها من الأصول الفلسطينية الذين يتعرضون للاستهداف المباشر والقتل والاعتقال رغماً عن امتلاكهم وثيقة مواطنة رسمية يُفترض أن تمنحهم صفة المواطنة الكاملة في الولايات المتحدة.

وهذا المشهد المعقد يعزز الغطاء السياسي الممنوح للاحتلال ويؤكد تغليب الحسابات والمصالح السياسية الضيقة على حساب الممارسات الإنسانية وحقوق الإنسان والقانون الدولي في الأراضي المحتلة.

إحصائيات ضخمة.

في محاولة لتفسير هذه الهشاشة الدبلوماسية لواشنطن أمام قرارات تل أبيب تبرز الأرقام الرسمية لحجم المساعدات الأمريكية السنوية الموجهة للاحتلال كعامل حاسم؛ إذ ترتبط الولايات المتحدة مع الكيان الصهيوني بموجب مذكرة تفاهم عشرية ممتدة تلتزم بموجبها واشنطن بتقديم مساعدات عسكرية ثابتة تبلغ 3,8 مليار دولار سنوياً (مقسمة بين 3,3 مليار دولار للتمويل العسكري الخارجي و500 مليون دولار لبرامج الدفاع الصاروخي المشترك). وهذا الدعم الهيكلي شهد قفزات تاريخية استثنائية عبر تمرير حزم مساعدات طارئة وتسهيلات تسليحية بمليارات الدولارات الإضافية فضلاً عن تفعيل الإدارات المتعاقبة لصلاحيات الطوارئ لتسريع نقل الذخائر والعتاد.

وهذا الحجم الهائل من الدعم التراكمي الملتزم به سياسياً يوضح كيف تحولت هذه المساعدات من أداة ضغط مفترضة في يد البيت الأبيض إلى التزام استراتيجي ثابت يُكبّل قدرة الدبلوماسية الأمريكية على ممارسة ضغوط علنية خشنة حتى وإن تعلق الأمر بانتهاك حقوق مواطنيها الحاملين للجنسية الأمريكية.

ضحية مصالح مشتركة.

تأسيسًا على ما تقدّم يظهر جلياً أن قضية الطالبة سما صافي لا يمكن عزلها عن السياق البنيوي المعقّد الذي يحكم العلاقات الأمريكية الصهيونية حيث تفقد الوثائق الثبوتية والقوانين الحامية للمواطنة قيمتها عندما تصطدم بحسابات الأمن القومي لتل أبيب والمصالح الجيوسياسية العليا لواشنطن.

وإن بقاء هذه الأزمة معلّقة برسم التوازنات الداخلية في الولايات المتحدة يعكس عجز الأدوات الدبلوماسية التقليدية عن فرض معادلة حماية متساوية لجميع الرعايا الأمريكيين خاصة أولئك الذين ينحدرون من أصول فلسطينية أو عربية.

وبينما تستمر الضغوط النيابية والحقوقية داخل أروقة صنع القرار في واشنطن لمحاولة إحداث خرق إنساني أو إجرائي يبقى المحك الحقيقي متوقفاً على مدى استعداد الإدارة الأمريكية الحالية لمراجعة هوامش المناورة مع حليفها الاستراتيجي أو الاستمرار في تقديم الغطاء السياسي والمالي غير المشروط الذي يحوّل مبادئ حقوق الإنسان والقانون الدولي في الأراضي المحتلة إلى شعارات مؤجلة أمام اعتبارات المصلحة والنفوذ.