اختتام الدورة الحادية والعشرين لمعرض مكتبة الإسكندرية: نجاح يتفوق على المعارض العربية
يختتم معرض مكتبة الإسكندرية الدولي للكتاب دورته الحادية والعشرين غداً الخميس، بعد تمديد فترة انعقاده لثلاثة أيام، وسط حضور ثقافي وجماهيري لافت. يؤكد هذا النجاح أن الكتاب لا يزال يحتفظ بمكانته في وجدان القارئ السكندري والمصري، وأن الفعاليات الثقافية الكبرى قادرة على استعادة دورها كمكان للقاء والحوار وتبادل الأفكار.
رغم أهمية المعرض، إلا أن نجاحه لا يلغي وجود بعض الملاحظات التي رافقت هذه الدورة، والتي تعكس أسئلة طبيعية حول كيفية تطوير هذا الحدث الثقافي الكبير وتعزيز تأثيره. بينما أشاد كثير من المشاركين والزوار بالتنظيم وتنوع الفعاليات والإقبال الجماهيري، ظهرت ملاحظات تتعلق بالحضور الإعلامي ومساحات دور النشر المستقلة وتوسيع المشاركة العربية وتطوير الجانب المهني المرتبط بصناعة النشر. هذه القضايا لا تنتقص من نجاح المعرض بقدر ما تفتح الطريق أمام مزيد من التطوير في الدورات المقبلة.
الإسكندرية تستعيد علاقتها التاريخية بالمعرفة
يقام معرض مكتبة الإسكندرية الدولي للكتاب في مدينة تحمل إرثاً معرفياً استثنائياً؛ فالإسكندرية لم تكن يوماً مدينة عابرة في تاريخ الثقافة، بل ارتبط اسمها بالعلم والترجمة والفكر منذ مكتبتها القديمة التي شكلت أحد أبرز مراكز المعرفة في العالم القديم. ومن هذا المنطلق، يكتسب المعرض خصوصيته؛ فهو يقام في فضاء يحمل ذاكرة الحضارة والتواصل بين الثقافات. وقد نجحت مكتبة الإسكندرية عبر دوراتها المتتابعة في ترسيخ المعرض كموعد ثقافي ينتظره القراء والناشرون والمهتمون بالشأن الثقافي.
شهدت الدورة الحادية والعشرون مشاركة واسعة من دور النشر المصرية والعربية، إلى جانب برنامج ثقافي متنوع ضم ندوات ولقاءات فكرية وأدبية وفنية بمشاركة عدد كبير من الكتاب والمبدعين والباحثين.
الكتاب في مواجهة التحولات الجديدة
أحد أهم مكاسب هذه الدورة هو استمرار قدرة المعرض على جذب الجمهور في وقت أصبحت فيه الوسائط الرقمية والمحتوى السريع ينافس الكتاب الورقي بقوة. فالحضور الجماهيري لم يكن مجرد حركة شراء للكتب، بل كان تعبيراً عن رغبة حقيقية في التواصل المباشر مع الكاتب وحضور الندوات والمشاركة في النقاشات الثقافية. ظلت حفلات التوقيع واللقاءات المفتوحة من أكثر الفعاليات جذباً للجمهور لأنها أعادت الاعتبار للعلاقة الإنسانية بين المبدع والمتلقي، وهو ما حرمه معرض القاهرة الدولي للكتاب على كتابه وقرائه في دورته بداية هذا العام.
كما شكل حضور الشباب علامة مهمة، إذ بدا واضحاً أن الأجيال الجديدة لا تزال تبحث عن المعرفة، لكن لا يمكن إنكار أنها تحتاج إلى صيغ أكثر قرباً من اهتماماتها تجمع بين الكتاب التقليدي والأدوات الرقمية الحديثة.
ملاحظات… الطريق إلى دورة أكثر تأثيراً
رغم الصورة الإيجابية العامة، فإن أي تقييم مهني للمعرض يحتاج إلى التوقف عند عدد من النقاط التي تمثل فرصاً للتطوير. تأتي الحاجة إلى حضور إعلامي أكبر على رأس هذه الملاحظات؛ فمعرض بحجم معرض مكتبة الإسكندرية الدولي للكتاب يستحق تغطية إعلامية أكثر اتساعاً لا تقتصر على أخبار الافتتاح والختام، بل تشمل متابعة الندوات والإصدارات الجديدة والحوارات الفكرية المصاحبة خاصة خارج مصر، مع الحرص على تدويل المعرض عربياً وعالمياً.
كما يبرز ملف دعم دور النشر الصغيرة والمستقلة باعتباره أحد التحديات المهمة؛ فهذه الدور تمثل جانباً أساسياً من حيوية صناعة الكتاب وغالباً ما تقدم تجارب جديدة وأصواتاً شابة تحتاج إلى آليات تساعدها على الوصول إلى جمهور أوسع سواء عبر برامج تعريفية أو مساحات عرض أكثر وضوحاً. وهذه إشكالية واجهت معرض القاهرة الدولي للكتاب أيضاً.
ومن الملاحظات التي تستحق الاهتمام ضرورة تطوير الجانب المهني للمعرض بحيث لا يقتصر البرنامج على الفعاليات الجماهيرية فقط. يجب مد مساحة الحضور العربي والدولي التي تظل هدفاً مهماً لأي معرض؛ لأن المعارض الكبرى لا تقاس فقط بعدد المشاركين وإنما بقدرتها على خلق جسور بين الثقافات المختلفة واستضافة تجارب أدبية وفكرية متنوعة.
الثقافة ليست حدثاً عابراً
تكمن قيمة معارض الكتب الكبرى في أنها لا تنتهي بانتهاء أيامها؛ فالنجاح الحقيقي لأي معرض يقاس بما يتركه من أثر بعد إغلاق أبوابه وبقدرته على خلق عادة القراءة وتشجيع الكتابة ودعم حركة النشر. ومن هذه الزاوية، فإن معرض مكتبة الإسكندرية للكتاب يمتلك مقومات مهمة تؤهله لمزيد من التطور؛ فهو يستند إلى مؤسسة ثقافية عالمية ويقام في مدينة ذات تاريخ معرفي عريق ويحظى بجمهور متعطش للمعرفة. لكن الحفاظ على النجاح يتطلب مراجعة مستمرة والاستماع إلى ملاحظات الناشرين والكتاب والقراء لأن الفعاليات الثقافية الكبرى لا تكتمل إلا بالحوار حولها.
ختام يليق بمدينة الكتاب
يغادر معرض الإسكندرية للكتاب دورته الحادية والعشرين غداً الخميس مؤكداً أن الكتاب ما يزال حاضراً وأن الثقافة قادرة على جمع الناس حول فكرة مشتركة وسط عالم تتسارع فيه المتغيرات. ويبقى التحدي الأكبر أمام الدورات المقبلة هو الانتقال من مرحلة إثبات الحضور إلى مرحلة صناعة التأثير الأوسع بحيث يصبح المعرض ليس فقط مكاناً لعرض الكتب بل مشروعًا ثقافياً متكاملاً يربط بين الكاتب والقارئ وبين المعرفة والمجتمع. فالإسكندرية التي حملت مشعل المعرفة عبر التاريخ ما زالت قادرة على جعل الكتاب جسراً بين الأجيال وأن تواصل دورها كمدينة للحوار والفكر والإبداع.
لكن الأفكار تكتسب معناها الكامل حين تغادر صفحات التحليل إلى واقعها الحي. ومن هنا ينتقل هذا التقرير إلى معرض الإسكندرية للكتاب حيث تتقاطع حركة النشر مع نبض المشهد الثقافي وحيث تتيح أصوات الناشرين قراءة أخرى للقضايا التي يثيرها الواقع الثقافي انطلاقًا من تواجدهم اليومي داخل المعرض.
أكد الناشر محمد عباس من “المركز المصري لتبسيط العلوم” أن الإقبال على المعرض كان كبيرًا منذ انطلاقه وزادت معه القوة الشرائية. ولفت إلى أن أبرز العناوين التي يتهافت عليها القراء هي الكتب المتعلقة بالأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي بما يعكس وعياً جديدًا لدى الجمهور بمتغيرات العصر.
محمد عباس.
من جانبه قال الناشر محمود مصطفى: “إن إدارة المعرض ساهمت في دعم حركة النشر عبر خفض سعر المتر بنسبة 25%” موضحًا أن معرض مكتبة الإسكندرية يعد الأقل تكلفة مقارنة بمعارض هيئة الكتاب الأخرى. وأضاف أن نجاح المعرض يعود أيضًا إلى حجم جمهور مكتبة الإسكندرية الكبير الذي يعتمد عليه وإلى الحملة الدعائية الواسعة والمبتكرة التي أطلقتها اللجنة المنظمة.
محمود مصطفى.
أما الناشر علي راشد من “دار المحرر” فكانت هذه هي مشاركته الأولى في معرض مكتبة الإسكندرية وأعرب عن دهشته من مستوى التنظيم الذي وصفه بـ”المبهر” مشيدًا بتعاون مسؤولي المعرض لحل أي أزمات منذ اليوم الأول ومشيدًا بالبرنامج الثقافي للمعرض لما يوفره من مساحات للمبدعين خارج الإسكندرية للالتقاء بجمهور المدينة كما أشاد بالدعاية اليومية للفعاليات التي تصل للجمهور السكندري عبر الرسائل الهاتفية.
علي راشد.
يذكر أن معرض مكتبة الإسكندرية في دورته الحادية والعشرين افتتح يوم 6 يوليو ويختتم غداً الخميس 23 يوليو بعد مد فترته انعقاده ثلاثة أيام وشارك فيه 86 دار نشر وتضمن برنامجه الثقافي أكثر من 410 فعاليات متنوعة.

