ليس من السهل أن يوجه ناقد فني ملاحظة إلى عمرو دياب. فهو ليس مجرد مطرب ناجح، بل هو ظاهرة فنية أسهمت بشكل كبير في تشكيل تاريخ الأغنية العربية الحديثة. على مدار أربعة عقود، ظل متربعًا على القمة، ليس فقط بسبب صوته المميز، ولكن لأنه يمتلك مشروعًا فنيا متجددا يسبق عصره ولا يلهث خلفه.

لذا، يصبح من حق الجمهور والنقاد التوقف أمام ألبومه الأخير، لا لمناقشة أرقامه القياسية، فالنجاح التجاري لم يعد محل خلاف، وإنما لمناقشة سؤال أكثر عمقًا: هل ما زال عمرو دياب يقود الذوق العام، أم بدأ يسايره؟

هذه ليست معركة بين القديم والجديد أو بين الأغنية الكلاسيكية والمهرجانات، فالفن بطبيعته يتطور وكل جيل يصنع لغته الخاصة. لكن الأزمة تبدأ عندما يتخلى صاحب المدرسة عن مدرسته، ويصبح جزءًا من موجة كان يفترض أن يعيد تشكيلها لا أن يذوب فيها.

استعانة عمرو دياب بعدد من كتاب الأغاني الذين لمعوا في عالم المهرجانات ليست المشكلة في حد ذاتها. فالموهبة لا تُقاس بخلفية صاحبها، وكثير من المبدعين خرجوا من مدارس فنية مختلفة. لكن السؤال الحقيقي هو: هل انتقلت هذه الأسماء إلى مشروع عمرو دياب، أم انتقل هو إلى مشروعها؟

الإجابة تكمن داخل الكلمات نفسها.

في عدد من الأغنيات، لم تعد الكلمة تسعى إلى بناء صورة شعرية أو إحساس إنساني عميق، بل أصبحت تبحث عن جملة سريعة وخفيفة قابلة للاقتطاع والتداول على منصات التواصل الاجتماعي. وعندما تصبح مفردات مثل “الفراولة” و”العصير” محور صناعة الدهشة، فإننا لا نتحدث عن تطور في اللغة بل عن انتقال الأغنية من فضاء الشعر إلى فضاء “الترند”.

وهنا يظهر الفارق بين الفنان الذي يستخدم لغة الشارع والفنان الذي يستسلم لها.

عمرو دياب نفسه قدم هذا الدرس عشرات المرات. عندما أدخل الإيقاعات الغربية إلى الأغنية العربية، لم يكن يقلد الغرب بل جعل الغرب يعزف بروح شرقية. أما اليوم، فإن بعض أغنيات الألبوم تعطي انطباعًا بأن الهضبة لم يعد يصنع الاتجاه بل يلاحق اتجاهاً صنعه غيره.

والأخطر أن الأغنية أصبحت تُبنى أحيانًا حول “الإفيه” أكثر من بنائها حول اللحن أو الفكرة أو الصورة. وكأن الهدف هو جعل الجملة مادة لمقاطع الفيديو القصيرة بدلاً من أن تصبح بيتًا غنائيًا يتردد بعد سنوات.

التاريخ يعلمنا أن الأغنية التي تعيش ليست بالضرورة الأكثر استماعًا عند صدورها. كم من أغنيات حطمت الأرقام ثم اختفت وكم من أغنيات بدأت بهدوء ثم تحولت إلى علامات في الوجدان العربي. لذلك فإن معيار المشاهدات لا يمكن أن يكون المعيار الوحيد للحكم على القيمة الفنية.

المفارقة أن عمرو دياب ليس في حاجة إلى هذه التنازلات. فهو أحد القلائل الذين يمتلكون القدرة على فرض الذوق العام وليس الانصياع له. وإذا كان الجمهور قد اعتاد منه المغامرة، فقد اعتاد أيضًا أن تكون مغامرته نحو الأمام وليس نحو الأسفل.

وهذا هو جوهر القضية.

لسنا أمام فنان فقد موهبته؛ فهذه حقيقة لا يمكن إنكارها. ولسنا أمام تجربة فاشلة؛ فالألبوم حقق نجاحًا جماهيريًا بلا جدال. لكننا أمام فنان كبير يبدو أنه أعاد تعريف النجاح من صناعة الأغنية الباقية إلى صناعة الأغنية الأكثر تداولاً.

والفارق بين الاثنين هو الفارق بين التاريخ والترند.

يبقى السؤال الذي سيجيب عنه الزمن وحده: بعد عشر سنوات، ماذا سيبقى من هذه الأغنيات؟ وهل ستقف بجوار “راجعين” و”تملي معاك” و”العالم الله” و”ليلي نهاري” و”قمرين” أم ستظل مجرد أغنيات نجحت في موسمها ثم انطفأت بانطفاء الموجة التي صنعتها؟

الفنان الكبير لا يخسر عندما يجدد وإنما يخسر عندما يسمح للترند بأن يقود بوصلته الفنية.

وربما كانت هذه هي المرة الأولى التي يبدو فيها عمرو دياب أقرب إلى ملاحقة الذوق العام بعد أن أمضى أربعين عامًا يصنعه.