وضع المنتخب المصري نقطة نهاية حزينة لمسيرته الاستثنائية في كأس العالم 2026، بعد خسارته القاسية أمام منتخب الأرجنتين “حامل اللقب” يوم الثلاثاء الماضي على ملعب “مرسيدس بنز” في مدينة أتلانتا الأمريكية، ضمن منافسات دور الـ16 من المونديال.
غمرت شوارع القاهرة مشاعر الحزن بعد أن كانت فرحة الجماهير المصرية قد لامست عنان السماء، حيث كان المنتخب الوطني قريبًا من تحقيق الحلم بتقدمه على الأرجنتين بهدفي ياسر إبراهيم ومصطفى زيكو حتى الدقيقة 79 من عمر اللقاء. لكن بطل العالم احتاج فقط إلى الدقائق العشر الأخيرة ودقيقتين من الوقت المحتسب بدلًا من الضائع ليقلب الأمور رأسًا على عقب، ويعاقب المصريين بثلاثية قاسية سلبت من 120 مليون مصري حلم بلوغ ربع نهائي المونديال.
تأهل المنتخب الأرجنتيني بفضل قائده ليونيل ميسي إلى دور الثمانية بمعجزة، حيث تغلب للمرة الثانية على التوالي على منتخب إفريقي بنتيجة (3-2)، بسيناريو مشابه لفوزه في دور الـ32 على منتخب الرأس الأخضر المكافح، ليضرب “حامل اللقب” مواجهة سهلة نسبيًا أمام سويسرا في ربع النهائي، ويسير بخطوات جادة نحو تحقيق حلمه في الاحتفاظ بالكأس الذهبية.
أما الفراعنة، فقد دفعوا الثمن غاليًا لافتقادهم إلى اللياقة الذهنية والبدنية الكافية والإيمان بقدرتهم على قهر “بطل العالم”، بالإضافة إلى ارتكاب بعض الأخطاء الساذجة التي كان ثمنها الحرمان من دخول التاريخ من أوسع أبوابه. ليعودوا إلى القاهرة بمسيرة مشرفة وفخر بما قدموه، لكن بقلوب مكسورة بسبب النهاية الدرامية.
جدل تحكيمي مستمر
ومع الجدل التحكيمي الكبير الذي صاحب قرارات الحكم الفرنسي فرانسوا ليتكسير ومساعديه في غرفة تقنية الفيديو المساعد، اشتعل غضب المصريين. حيث ظهر تحيز واضح في صافرته التي كانت كالسيف على الفراعنة وكالريشة تجاه كل العنف والأخطاء الواضحة من المنتخب الأرجنتيني. فبين إنذارات بالجملة للاعبي مصر ورفض احتساب ركلة جزاء صحيحة لمحمد صلاح، وإلغاء الهدف الثاني لزيكو، تحول الحكم الفرنسي إلى العدو الأول لـ120 مليون مصري، وعلى رأسهم التوأم حسام وإبراهيم حسن.
لكن بعيدًا عن الأخطاء التحكيمية، هناك بعض الأخطاء التي يجب ألا يغفلها الجهاز الفني للمنتخب الوطني لتجاوز هذه المرحلة بمكاسب عديدة. أهمها التعلم من هذه الأخطاء حتى يتجنب تكرارها في المواعيد الدولية المقبلة، سواء كأس الأمم الإفريقية 2027 أو كأس العالم 2030.
أولًا: اهتزاز الثقة بعد الهدف الأول.
البداية مع افتقاد لاعبي المنتخب للثقة والإيمان بقدرتهم على الانتصار بعد الهدف الأول للألبيسليستي. حيث اهتزت ثقتهم بشكل واضح وظهرت الأخطاء الساذجة من حمدي فتحي وياسر إبراهيم. وتفكك سريعًا الحصار الذي كان ناجحًا للغاية حتى الدقيقة 79 ليصبح شبكة ممزقة يسهل اختراقها مما أدى لتلقي ثلاثة أهداف في أقل من 12 دقيقة.
ثانيًا: سوء قراءة تغييرات سكالوني.
الهزة الواضحة كانت نتيجة الخطأ الفني الواضح من حسام حسن، المدير الفني للفراعنة، الذي لم يقرأ تمامًا تحركات منافسه ليونيل سكالوني عندما قام بسحب الظهير الأيسر تاليافيكو لحساب الجناح نيكولاس جونزاليس. مما أتاح لميسي التحرك نحو الجبهة اليمنى واستمرار إرسال العرضيات مع دخول المدافع روميرو إلى منطقة جزاء مصر للمساهمة الهجومية.
كان يجب أن يقابل هذا القرار تكثيف دفاعي أكثر بعودة تريزيجيه إلى الجانب الدفاعي بجوار كريم حافظ، ونزول حسام عبد المجيد كمدافع ثالث يتميز بطول القامة لمساندة ياسر إبراهيم ووأد كل هذه العرضيات التي تسببنا فيها باستقبال ثلاثة أهداف دفعة واحدة.
ثالثًا: علامات استفهام حول التبديلات.
تبديلات العميد أيضًا كانت محل تساؤل كبير؛ فمع إصابة هيثم حسن وخروج زيكو بسبب الإرهاق، لم يكن تريزيجيه ومرموش الخيار الأفضل على الإطلاق. خصوصًا أن الأخير لم يقدم أي مستوى يشفع له لذلك. كانت النتيجة لا تزال تقدم مصر بهدفين لهدف وكان بالإمكان تقديم كرة دفاعية بحتة في هذا الوقت عبر مدافع ثالث أو لاعب وسط ارتكاز إضافي مثل محمود صابر.
رابعًا: غياب إدارة المباراة بعد التعادل.
حتى مع تحول النتيجة إلى التعادل (2-2)، كان بالإمكان تدارك الأمر بلعب كرة دفاعية مثل تلك التي قدمتها باراجواي أمام ألمانيا والعودة إلى الخطوط الخلفية لغلق جميع الطرق أمام مرمانا ولعب التمريرات التي تقتل الوقت وارتكاب الأخطاء لتعطيل المنافس. لكن بدلًا من ذلك تركنا منتخب الأرجنتين يتحكم في رتم اللعب ويقدم لعبته الوحيدة التي ينجح من خلالها في الوصول إلى المرمى.
خامسًا: الطمع في التوقيت الخاطئ.
أما الخطأ الخامس الذي تسبب في هدف الفوز للمنافس فكان الطمع غير المناسب؛ فعند التعادل استشعر لاعبو الأرجنتين بالراحة وعادوا قليلاً إلى مناطقهم. ربما أرادوا الانتقال إلى الشوطين الإضافيين وتكرار سيناريو الرأس الأخضر. لكنهم فوجئوا بهدية لا تُرفض من المصريين وهي الهجوم المكثف وترك الدفاع؛ مما أدى لوجود ثلاثة لاعبين من راقصي التانجو على ياسر إبراهيم خلال الهجمة التي جاء منها الهدف الثالث.

