رغم أن الولايات المتحدة تمتلك تفوقاً عسكرياً نظرياً كافياً لفرض السيطرة وفتح مضيق هرمز بالقوة، إلا أن البيئة العملياتية المعقدة وكلفة المواجهة المباشرة دفعت واشنطن إلى تفضيل مسارات التفاوض وتأمين الممرات البحرية كبديل للحرب الشاملة. يأتي هذا التحول في وقت أصبح فيه المضيق الملف الأكثر تعقيداً في المحادثات غير المباشرة الجارية بين الأطراف في مسقط، تزامناً مع تراجع حركة العبور التجاري واقتصارها شبه الكامل على السفن الإيرانية تحت وطأة الضربات المتبادلة.
أولاً: جغرافيا المضيق الصعبة والتحصينات الإيرانية
تفرض الطبيعة الجغرافية الضيقة لمضيق هرمز قيوداً حاسمة؛ إذ تحد من كفاءة القوات البرية وتجعل عمليات الإنزال البحري والجوي بالغة الخطورة مقارنة بمسارح العمليات المفتوحة. يضاف إلى ذلك أن الحرس الثوري الإيراني عمل منذ عام 1979 على بناء أنساق دفاعية حصينة وممتدة على الساحل الغربي، وهي الخطوط التي ركزت الضربات الغربية الأخيرة على محاولة “تليينها” وإضعافها دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة غير مضمونة النتائج.
ثانياً: حسابات الربح والخسارة الاقتصادية
وفقاً للتقديرات العسكرية، فإن الفاتورة الباهظة لأي عملية عسكرية واسعة لفتح المضيق ستتجاوز بكثير المكاسب الجيوسياسية المحققة، مما يجعل فرض الأمر الواقع بالقوة خياراً غير مجدٍ مقارنة بالتسويات الدبلوماسية المعروضة حالياً وتثبيت التفاهمات المشتركة لتهدئة أسواق الطاقة العالمية.
ثالثاً: صراع “الممر الجنوبي” البديل
تبرز المياه الإقليمية العمانية كخيار بديل وأكثر أماناً للملاحة الدولية، وتحديداً عبر “الممر الجنوبي” الذي يفضله الأسطول الخامس الأمريكي المتمركز في البحرين لتأمين حركة قطعه البحرية وإمداداته بعيداً عن الرقابة الإيرانية. تكمن أفضلية هذا الممر في غاطسه المائي العميق الذي يتراوح بين 65 و110 أمتار (مقارنة بـ 35 إلى 60 متراً في الممر الإيراني)، مما يجعله مثالياً لعبور حاملات الطائرات والناقلات العملاقة، وهو ما يفسر محاولات طهران المستمرة للتشويش عليه للحفاظ على ورقة ضغطها الملاحية.
رابعاً: كابوس “الألغام التائهة”
تعد الألغام البحرية التحدي العملياتي الأكثر تعقيداً، خاصة بعدما تحول جزء منها إلى “ألغام تائهة” جرفتها التيارات البحرية بعيداً عن مواقعها أو فُقدت خرائط توزيعها جراء القصف الأخير. ورغم دخول كاسحات ألغام أوروبية تابعة لتحالف تقوده بريطانيا وفرنسا للمساعدة في التطهير، إلا أن هذه العملية الفنية المعقدة والحساسة تجعل القوى الغربية وحلف الناتو يتجنبون أي احتكاك عسكري مباشر مع طهران قد يطلق شرارة حرب إقليمية واسعة النطاق.
مضيق هرمز وباب المندب
يعد كل من مضيق هرمز ومضيق باب المندب من أهم الممرات البحرية عالمياً، حيث يلعب الأول دور “بوابة النفط” للعالم، بينما يمثل الثاني “بوابة التجارة” التي تربط بين قاراته. ما يجعل أي اضطراب فيهما ذا تأثير مباشر على حركة الطاقة والتجارة الدولية.
يقع مضيق باب المندب عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر ويربطه بخليج عدن والمحيط الهندي بعرض يتراوح بين 26 و32 كيلومتراً. وتضيق ممراته الملاحية إلى نحو ميلين بحريين لكل اتجاه عند أضيق نقطة، مما يجعله ممراً حساساً لأي اضطراب أمني.
ويكتسب أهميته من كونه البوابة الجنوبية لقناة السويس، التي يمر عبرها نحو 10% من التجارة البحرية العالمية و22% من تجارة الحاويات سنوياً وفق بيانات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد). كما تشير بيانات البنك الدولي إلى أن ما يقرب من 30% من تجارة النفط و40% من البضائع الجافة تمر عبر البحر الأحمر وقناة السويس.
يُصنف مضيق باب المندب كأحد أهم الممرات المائية الحيوية وعنق الزجاجة الاستراتيجي الذي يتحكم في حركة التجارة العالمية وإمدادات الطاقة الدولية. يمثل هذا المضيق الذي لا يتجاوز عرضه 18 ميلاً بحرياً بين الساحل اليمني شرقاً والساحل الجيبوتي غرباً، البوابة الجنوبية الحيوية التي تعبر منها ناقلات النفط العملاقة القادمة من الخليج العربي باتجاه البحر الأحمر لتواصل رحلتها عبر قناة السويس وصولًا إلى الأسواق الصناعية الكبرى في أوروبا وأمريكا الشمالية بحمولة يومية تُقدر بنحو 5 ملايين برميل من النفط الخام والمكرر.
وعلى الرغم من الأهمية الاستراتيجية الكبرى لباب المندب، فإن القراءة الاقتصادية لأسواق الطاقة تكشف عن تباين واضح عند مقارنة تأثير إغلاقه الافتراضي بمضيق هرمز؛ فمضيق هرمز يمثل الشريان الأكثر حرجًا عالمياً بعبور أكثر من 18.6 مليون برميل يومياً دون وجود أي ممرات بديلة. مما يعني أن أي توقف فيه كفيل بشل الاقتصاد العالمي كليًا ودفعه لأسعار تفوق 250 دولارًا للبرميل. بالمقابل يمتلك باب المندب الذي يمر عبره نحو 4.8 ملايين برميل يوميًا ممرات بديلة تتمثل في طريق رأس الرجاء الصالح، مما يحد من حجم الكارثة الاقتصادية ويحصره في زيادة تكاليف الشحن والتأمين بنحو 2.5 دولار فقط للبرميل مع إطالة زمن الرحلة البحرية.
وتحتضن المنطقة العربية ثلاثة من بين أهم سبعة مضايق وممرات بحرية لتجارة النفط في العالم. ويتصدر مضيق هرمز المرتبة الأولى عالمياً من حيث الأهمية والحجم، تليه قناة السويس في المرتبة الثالثة ثم يأتي مضيق باب المندب في المرتبة الرابعة عالمياً. مما يضع هذه الممرات المتشابكة في قلب منظومة الأمن القومي والاقتصادي العالمي ويجعل استقرارها وتأمين حرية الملاحة فيها مسؤولية دولية مشتركة لضمان تدفق سلاسل الإمداد دون انقطاع.

