أصدر مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء، عددًا جديدًا من سلسلة “تقارير معلوماتية” تحت عنوان “سوق العمل في عصر الثورة الصناعية الرابعة والخامس”، موضحاً أن سوق العمل شهد تغيرات عميقة خلال السنوات الماضية؛ فقد أحدثت جائحة كوفيد-19 تحولات غير مسبوقة في أنماط الحياة والعمل، دفعت العديد من الشركات إلى تبني نموذج العمل الهجين الذي يتيح للموظفين العمل عن بعد بشكل جزئي. ومع تجاوز آثار الجائحة، ظهر عامل جديد يتمثل في الطفرة المتسارعة لتقنيات الذكاء الاصطناعي والأتمتة، والتي من المتوقع أن تعيد تشكيل طبيعة العمل وأساليبه، مما يدفع أصحاب العمل إلى إعادة التفكير في المهارات المطلوبة والآليات التنظيمية المستقبلية لتحويل أعمالهم بما يواكب تلك التطورات.
تناول التقرير المشهد العالمي لسوق العمل وتوقعاته، حيث أشارت منظمة العمل الدولية (ILO) في تقريرها بعنوان “التوظيف والاتجاهات الاجتماعية 2026” الصادر في يناير 2026، إلى أن ارتفاع مستوى عدم اليقين الجيوسياسي يفرض مخاطر كبيرة على آفاق الاقتصاد العالمي، بما يؤدي إلى تراجع ثقة الشركات والمستهلكين، وانخفاض فرص العمل المتاحة، وإبطاء نمو معدلات التوظيف. كما يشير التقرير إلى زيادة معدلات البطالة والحد من نمو الأجور والاستهلاك المحلي، فضلًا عن ضعف الطلب الكلي في الاقتصادات الكبرى وانعكاسه عالميًا على سلاسل التوريد مما يؤثر بالسلب على الوظائف المتعلقة بالتجارة الدولية.
يتوقع أن يبلغ حجم القوى العاملة عالميًا 3.82 مليارات شخص في عام 2026، مقارنة بنحو 3.78 مليار شخص في عام 2025. إذ أدى النمو المستمر في عدد السكان في سن العمل إلى زيادة حجم القوى العاملة عالميًا بنحو 40 مليون شخص سنويًا. ومن المتوقع أن تسجل جميع فئات الدول وفق مستويات الدخل زيادات في حجم القوى العاملة، باستثناء الدول ذات الدخل المرتفع التي قد تشهد نموًا صفريًا أو انكماشًا بسبب ارتفاع نسبة كبار السن المتقاعدين لتستقر عند نحو 0.73 مليار شخص خلال عامي 2025 و2026.
بلغ معدل البطالة عالميًا نحو 4.9% في عام 2025، ومن المتوقع استقراره عند هذا المستوى في عام 2026 نتيجة اتساع حجم القوى العاملة قبل أن ينخفض إلى 4.8% في عام 2027. وتعتبر الشريحة العليا من الدول متوسطة الدخل هي الأعلى من حيث معدل البطالة الذي بلغ 5.5% في عام 2025 ومن المتوقع استقراره عند 5.4% خلال عامي 2026 و2027.
ومن المتوقع اتساع الفجوة في الوظائف عالميًا لتصل إلى نحو 408 ملايين شخص في عام 2026 مقارنة بنحو 403 ملايين شخص في عام 2025. وتشمل هذه الفجوة ما يقرب من 222 مليون شخص في سن العمل ولديهم استعداد للانخراط في وظائف لكنهم لا يصنفون كعاطلين بشكل رسمي؛ إما لعدم تفرغهم للعمل أو لعدم بحثهم عن وظيفة بشكل مستمر لأسباب مثل مسؤوليات الرعاية الأسرية أو الإحباط الناتج عن محدودية الفرص المتاحة.
وفيما يتعلق بمصر، أوضح مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار أن سوق العمل المصري قد شهد خلال العقود الثلاثة الماضية تحولات هيكلية عميقة تأثرت بالإصلاحات الاقتصادية والتحولات الديموغرافية والانفتاح التجاري والتقدم التكنولوجي. وقد بلغت نسبة مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الجارية 79.4% لعام 2024/2025 مما يجعله المحرك الرئيس لنمو الوظائف؛ حيث انتقل سوق العمل المصري من نموذج يعتمد بدرجة كبيرة على التوظيف الحكومي وقطاع الأعمال العام إلى نموذج أكثر تنوعًا يقوده القطاع الخاص والعمل الحر.
ويمثل العاملون في القطاع الخاص الشريحة الأكبر من قوة العمل المصرية حيث بلغ عددهم نحو 24.6 مليون مشتغل من إجمالي 29.9 مليون مشتغل في عام 2024، بما يمثل حوالي 82.3% من إجمالي المشتغلين. وتتركز النسبة الأكبر منهم نحو 45% في العمل المستقل خارج المنشآت مقارنة بنحو 16.2% فقط (2.4 مليون مشتغل خارج المنشآت) من إجمالي المشتغلين عام 1990 الذين بلغ عددهم آنذاك نحو 14.8 مليون مشتغل.
واتصالاً بذلك، شهدت الحالة التعليمية للمشتغلين تغيرات ملحوظة؛ ففي عام1990 كان الأميون يشكلون النسبة الأكبر من العمالة (47.3%) بينما تراجعت نسبتهم لنحو15% من إجمالي المشتغلين بحلول عام2024 مقابل ارتفاع عدد المشتغلين من ذوي المؤهلات التعليمية حيث ارتفعت نسبة المشتغلين من حاملي المؤهلات العليا وما فوقها إلى أكثر من20% من إجمالي المشتغلين بحلول عام2024 مقابل9.5% من إجمالي المشتغلين بعام1990.
فيما يتعلق بتراجع الأعمال الكتابية والإدارية لصالح المهن الخدمية فقد شهد هيكل سوق العمل المصري تحولاً ملحوظاً بين عامي1990 و2024 حيث كانت المهن الزراعية ووظائف الإنتاج والتشغيل هي الأكثر توظيفاً بينما تصدرت المهن الحرفية والخدمية قائمة المهن الأكثر توظيفاً بحلول عام2040.
أما فيما يتعلق بالتحول الاقتصادي والقطاعات الأكثر توظيفاً فقد كشفت المقارنة بين توزيع المشتغلين حسب الأنشطة الاقتصادية عن تحولات هيكلية جوهرية؛ ففي عام1990 كان النشاط الزراعي يستوعب نحو6 مليون مشتغل بما يمثل40.5% بينما جاء قطاع الخدمات بالمرتبة الثانية بإجمالي3.2 ملايين مشتغل بنسبة21.6%. أما بحلول2014 أصبح توزيع العمالة أكثر تنوعاً بين القطاعات المختلفة حيث تراجعت حصة العاملين بقطاع الزراعة إلى18.7%.
وأدى التحول التكنولوجي المتسارع وتبني مفاهيم الاستدامة إلى إعادة تشكيل ملامح القطاعات والأنشطة الاقتصادية بما يفتح آفاق واسعة لفرص عمل جديدة غير تقليدية خاصةً صناعات المستقبل التي تشهد نمواً ملحوظاً مع التركيز على مجالات الإلكترونيات والبرمجيات والصناعات الدوائية الحيوية والطاقة المتجددة.
وفي السنوات الأخيرة شهدت ريادة الأعمال انتشاراً كبيراً بين الشباب بدعم قوي من الدولة التي اتخذت خطوات كبيرة لتمكين الشركات الناشئة وتعزيز قدرتها على جذب المزيد من الاستثمارات مما يعكس تحسن بيئة ريادة الأعمال بشكل ملحوظ.

