Published On 22/7/2026.

على الرغم من صعود الصين وتزايد الحديث عن انتقال مراكز الثقل المالي نحو آسيا، تبقى لندن الوجهة الأولى لتخزين الذهب السيادي في العالم. ويعكس هذا الواقع أن المنافسة الحالية لا تقتصر على امتلاك الذهب فقط، بل تشمل السيطرة على البنية التحتية اللازمة لحفظه وتداوله وإقراضه وتسويته، وهي ميزة لا تزال العاصمة البريطانية تتفوق فيها على منافسيها.

وكشف مسح مجلس الذهب العالمي لعام 2026، الذي شمل 76 بنكًا مركزيًا، أن بنك إنجلترا لا يزال هو الأكثر استخدامًا لتخزين الذهب، حيث أفاد 57% من المشاركين بأنهم يحتفظون بجزء من احتياطياتهم لديه. بينما أشار 49% إلى أنهم يخزنون جزءًا من الذهب داخل بلدانهم، في حين يستخدم 16% ترتيبات الحفظ التي يوفرها بنك التسويات الدولية.

وبنهاية يونيو/حزيران 2026، كانت خزائن لندن التجارية وخزائن بنك إنجلترا تحتوي على نحو 9464 طناً من الذهب، بقيمة تقارب 1.2 تريليون دولار، أي ما يعادل حوالي 760 ألف سبيكة معيارية. ويحتفظ بنك إنجلترا وحده بأكثر من 400 ألف سبيكة داخل تسع خزائن تحت الأرض، بينما تمثل حصة الخزانة البريطانية نحو 6% فقط من إجمالي الذهب المحفوظ لديه، إذ تعود النسبة الأكبر إلى بنوك مركزية وحكومات ومؤسسات مالية من مختلف أنحاء العالم.

لماذا تتصدر لندن؟

يرى الاقتصادي والمصرفي شريف عثمان أن مكانة لندن تستند إلى تراكم تاريخي ومؤسسي بدأ منذ عصر المعيار الذهبي في القرن التاسع عشر، حيث أصبحت المدينة مركزًا رئيسيًا لتجارة الذهب. وقد تعززت هذه المكانة عبر تطور أسواقها المالية واستمرارها في أداء دور محوري في النظام النقدي العالمي.

ويقول عثمان للجزيرة نت إن موقع لندن بين الأسواق الآسيوية والأمريكية منحها ميزة جغرافية في حركة التداول. كما أن النظام القانوني البريطاني وحماية حقوق الملكية قدما بيئة عززت ثقة البنوك المركزية والمؤسسات المالية في الاحتفاظ باحتياطياتها هناك.

ويتفق الخبير الاقتصادي هشام بالمين مع هذا التقييم، موضحًا أن تفوق لندن لا يرتبط بالتاريخ وحده، بل أيضًا بامتلاكها واحدة من أكثر أسواق الذهب سيولة في العالم. وهذا يمنح البنوك المركزية مرونة أكبر في إدارة احتياطياتها سواء عبر البيع أو الشراء أو الإقراض أو استخدام الذهب في المعاملات المالية عند الحاجة.

ويضيف أن سوق لندن يعمل وفق معيار “التسليم الجيد” الذي يحدد مواصفات السبائك المقبولة من حيث الوزن والنقاء والجودة. هذا ما يقلل الحاجة إلى إعادة فحص السبائك عند تداولها ويزيد من كفاءة السوق وثقة المتعاملين بها.

ويشير بالمين إلى أن التخزين المحلي يمنح الحكومات سيطرة مباشرة على احتياطياتها، إلا أن وجود الذهب في لندن يتيح الوصول الفوري إلى أكبر سوق عالمية لتداول الذهب وإقراضه. وهذا يجعل العاصمة البريطانية الخيار المفضل لكثير من البنوك المركزية رغم الاتجاه المتزايد نحو تنويع مواقع الحفظ.

لماذا تخزن الدول ذهبها خارج حدودها؟

على الرغم من استحواذ لندن على النصيب الأكبر من عمليات الحفظ، فإنها ليست الوجهة الوحيدة. فإلى جانبها تحتفظ بنوك مركزية عديدة بجزء من احتياطياتها لدى بنك الاحتياطي الفدرالي في نيويورك أو عبر خدمات الحفظ والتسوية التي يقدمها بنك التسويات الدولية، إضافة إلى مراكز أوروبية مثل برن وباريس.

ويفسر بالمين هذا التوزيع بأن الهدف لا يقتصر على تعزيز الأمان فقط، بل يرتبط أيضًا بالقرب من الأسواق المالية العالمية. إذ يتيح وجود الذهب في مراكز رئيسية مثل لندن أو نيويورك تنفيذ عمليات البيع والشراء والمقايضة والإقراض بسرعة أكبر مع خفض التكاليف التشغيلية وزيادة كفاءة إدارة الاحتياطيات.

كما يشير إلى أن عددًا متزايدًا من البنوك المركزية يتجه إلى توزيع احتياطياتها بين خزائن محلية وأخرى خارجية تقع في ولايات قضائية مختلفة بهدف تقليل مخاطر التركيز وضمان سهولة الوصول إلى الذهب خلال الأزمات بدلاً من الاعتماد على مركز واحد مهما كانت درجة الأمان التي يوفرها.

وتظهر نتائج المسح هذا التحول؛ حيث ارتفعت نسبة البنوك المركزية التي زادت تخزين الذهب داخل بلدانها إلى 9% عام 2026 مقارنة بـ5% العام السابق. كما ارتفعت نسبة المؤسسات التي وسعت مواقع التخزين الخارجية، مما يشير إلى أن الاتجاه السائد لم يعد استبدال لندن بل توزيع المخاطر بين عدة مراكز عالمية.

هل تزاحم الصين لندن؟

في السنوات الأخيرة برزت الصين كأبرز المرشحين لمنافسة لندن في سوق الذهب العالمية مستفيدةً من توسع سوق شنغهاي للذهب وزيادة احتياطياتها الرسمية وسعيها لتعزيز استخدام اليوان في التجارة الدولية. ومع ذلك لم يترجم هذا الصعود بعد إلى تحول جذري في خريطة تخزين الذهب السيادي.

ويرى عثمان أن بكين تعمل على بناء منظومة مالية أكثر استقلالاً عن الغرب تشمل تطوير أسواق الذهب وتسعيره وتخزينه. لكن منافسة لندن تتطلب أكثر من مجرد امتلاك كميات كبيرة من المعدن النفيس؛ إذ تحتاج أيضًا إلى منظومة قانونية ومالية تتمتع بالشفافية والثقة والسيولة نفسها التي بنتها لندن عبر عقود.

ويضيف أن معظم البنوك المركزية لا تختار مواقع التخزين بناءً على الاعتبارات الجغرافية أو السياسية فقط بل وفق عوامل تشمل سهولة الوصول للأسواق والقدرة على تنفيذ المعاملات بسرعة واستقرار البيئة القانونية وهي عناصر لا تزال تمنح لندن أفضلية واضحة.

ويؤكد بالمين أن الصين حققت تقدمًا ملحوظًا في سوق الذهب إلا أن معظم تعاملاتها ما تزال تتركز داخل السوق المحلية بينما تبقى لندن المركز الرئيسي لتداول الذهب بين البنوك المركزية والمؤسسات المالية العالمية.

العقوبات تغير الحسابات

على الرغم من استمرار تفوق لندن دفعت التطورات الجيوسياسية عددًا من الدول لإعادة النظر في أماكن تخزين احتياطياتها خصوصًا بعد العقوبات الغربية على روسيا والتي أبرزت المخاطر المرتبطة بالاحتفاظ بالأصول ضمن ولايات قضائية قد تخضع لاعتبارات سياسية.

يشير مجلس الذهب العالمي إلى أن هذه التطورات أسهمت في زيادة اهتمام بعض البنوك المركزية بتوزيع احتياطياتها بين عدة مراكز أو رفع نسبة الذهب المخزن داخل حدودها ضمن استراتيجية تهدف لتعزيز السيطرة على الأصول وتقليل مخاطر التجميد أو القيود المحتملة.

سبائك ذهب مكدسة

لندن تتصدر… لكن المنافسة تتسع

تشير نتائج مسح مجلس الذهب العالمي إلى أن لندن ما زالت تحتفظ بمكانتها بوصفها المركز الأول لحفظ الذهب السيادي مستفيدةً من سيولة سوقها وبنيتها المالية وإطار قانوني قوي وشبكة خدمات مرتبطة بتداول وإدارة الذهب.

بينما تتوسع مراكز أخرى مثل الصين مدفوعة برغبتها لبناء بنية مالية أكثر استقلالا وتقليل الاعتماد على المراكز الغربية إلا أن هذا المسار لا يزال في مراحله الأولى ولم ينجح حتى الآن بإحداث تحول جوهري في خريطة تخزين الذهب العالمية.

وبذلك يبدو أن المنافسة اليوم ليست مجرد صراع حول امتلاك أكبر احتياطيات ذهب بقدر ما هي سباق لبناء الثقة والمؤسسات والأسواق التي تجعل الدول مستعدة لإيداع ثرواتها فيها وهو المجال الذي لا تزال فيه لندن تتفوق حتى مع اتساع المنافسة وتغير موازين الاقتصاد العالمي.