استقر الدولار الأمريكي قرب أدنى مستوياته في عدة أشهر أمام العملات الرئيسية، اليوم الثلاثاء، مع تراجع توقعات المستثمرين بشأن رفع أسعار الفائدة الأمريكية. تأتي هذه التطورات في ظل المخاوف من تصاعد الصراع بين الولايات المتحدة وإيران، مما ألقت بظلالها على الأسواق العالمية وأبقت معنويات المستثمرين هشة.
وذكرت رويترز أن الدولار ارتفع بشكل طفيف خلال التعاملات، لكنه بقي قريبًا من مستوياته المتدنية، حيث تراجعت الرهانات على رفع أسعار الفائدة الأمريكية. بينما عززت المخاطر الجيوسياسية بعض الطلب على العملة كملاذ آمن، بالتزامن مع ارتفاع عوائد السندات العالمية نتيجة مخاوف التضخم والاقتراض.
اليورو قرب أعلى مستوى في شهرين
تراجع اليورو قليلًا عن أعلى مستوى له في شهرين عند 1.161 دولار الذي سجله يوم الاثنين، ليستقر في أحدث التعاملات عند نحو 1.157 دولار.
كما تراجع الجنيه الإسترليني بنسبة 0.1% إلى 1.352 دولار، ليظل قريبًا من أعلى مستوى له في ثلاثة أشهر، رغم تأثره ببيانات ضعيفة لسوق العمل البريطاني.
تعكس تحركات العملات استمرار الضغوط على الدولار، في ظل تحول توقعات الأسواق بشأن السياسة النقدية الأمريكية بعد ظهور مؤشرات على تباطؤ الاقتصاد الأمريكي خلال الأسابيع الأخيرة.
بيانات أمريكية أضعفت رهانات رفع الفائدة
أظهرت البيانات الاقتصادية الأخيرة علامات على تباطؤ الاقتصاد الأمريكي، بما في ذلك فقدان وظائف بصورة غير متوقعة خلال الشهر الماضي وقراءات تضخم معتدلة نسبيًا. هذه المعطيات دفعت المستثمرين إلى خفض توقعاتهم بشأن توجه مجلس الاحتياطي الفيدرالي نحو رفع أسعار الفائدة.
وبحسب أداة “فيد ووتش” التابعة لمجموعة “سي إم إي”، تراجع احتمال رفع الفائدة في اجتماع سبتمبر إلى نحو 35% مقارنة بـ52% قبل أسبوع، بينما لم تعد الأسواق تسعّر بشكل كامل احتمال تنفيذ زيادة في أسعار الفائدة قبل نهاية العام.
عادةً ما يؤدي تراجع توقعات رفع الفائدة إلى تقليص جاذبية العملة الأمريكية، إذ يقلل العائد المتوقع على الأصول المقومة بالدولار مقارنة بالعملات الأخرى.
التضخم يعيد تشكيل توقعات الأسواق
في المقابل، تبدو أسواق السندات أكثر تركيزًا على مخاطر التضخم الناجمة عن الحرب في الشرق الأوسط والضغوط المالية المتزايدة. حيث ارتفعت تكاليف الاقتراض طويلة الأجل في الاقتصادات الغربية الكبرى إلى أعلى مستوياتها منذ عقود.
وقال نوشاد شاه، رئيس مبيعات الدخل الثابت لمنطقة أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا لدى “سيتادل سيكيوريتيز” إن التضخم ظل أعلى من المستهدف خلال معظم السنوات الخمس الماضية. مضيفًا أن استمرار التضخم السنوي عند مستويات مرتفعة قرب 2% يترك هامشًا محدودًا أمام الاحتياطي الفيدرالي لامتصاص صدمات العرض المتكررة.
تكتسب مخاطر التضخم أهمية أكبر مع استمرار اضطرابات إمدادات الطاقة، خاصةً مع بقاء مضيق هرمز مغلقًا فعليًا أمام حركة الملاحة وتصاعد التوتر بين واشنطن وطهران.
إيران تضغط على أسواق الطاقة والعملات
أعلنت إيران أنها ستنتقل إلى وضع عسكري “هجومي بالكامل” بعدما تعثرت جهود التفاوض بشأن إنهاء الحرب بصورة دائمة وفق مسؤول إيراني كبير تحدث إلى رويترز. جاء ذلك في وقت استبعدت فيه واشنطن تمديد اتفاق وقف إطلاق النار الذي أُبرم في يونيو.
أدى الصراع المستمر لأكثر من خمسة أشهر إلى زيادة المخاوف التضخمية وإعادة تشكيل توقعات أسعار الفائدة العالمية، خصوصًا مع المخاطر المرتبطة بإمدادات النفط وحركة الملاحة عبر مضيق هرمز.
ساعد تصاعد المخاطر يوم الثلاثاء في الحد من خسائر الدولار عبر تدفقات الملاذ الآمن. حيث ارتفع مؤشر الدولار الذي يقيس أداء العملة الأمريكية أمام سلة من العملات الرئيسية بنسبة 0.1% إلى 99.62 نقطة.
الين يقترب من مستوى 160 مقابل الدولار
تراجع الين الياباني قليلًا إلى 159.70 ين للدولار بعدما محا قرابة نصف المكاسب التي حققها عقب تدخل أمريكي وياباني مشترك في نهاية يوليو لدعم العملة التي كانت تقترب من أدنى مستوى لها منذ 40 عامًا عند 163.99 ين للدولار.
يراقب المتعاملون احتمالات تنفيذ تدخل جديد في سوق الصرف، بالإضافة إلى اجتماع بنك اليابان المقرر الشهر المقبل وسط توقعات بأن يتجه البنك المركزي نحو رفع أسعار الفائدة مع احتمال تسريع وتيرة التشديد النقدي لاحقًا.
النفط يرفع عوائد السندات
استمرت عوائد السندات الحكومية العالمية في الارتفاع مدفوعة جزئيًا بمخاوف المستثمرين من تأثير استمرار إغلاق مضيق هرمز على أسعار الطاقة.
ارتفعت العقود الآجلة لخام برنت بنسبة 0.2% إلى 91.10 دولار للبرميل بعدما لامست أعلى مستوياتها منذ 30 يوليو.
وفي الولايات المتحدة، ارتفع عائد سندات الخزانة لأجل 30 عامًا إلى أعلى مستوياته منذ عام 2007 فيما ارتفعت عوائد السندات في أسواق رئيسية أخرى حول العالم مع استمرار العلاقة العكسية بين أسعار السندات وعوائدها.
قال مات سيمبسون كبير محللي الأسواق لدى “ستون إكس” إن متعاملي السندات يبدون حاليًا قلقًا أكبر بشأن آفاق التضخم على المدى الطويل مقارنة بمتداولي العملات..</s.
وأضاف أنه إذا كانت الأسواق محقة في تقديرها لمخاطر التضخم فقد يكون تراجع الدولار قصير الأجل.
تتجه الأنظار أيضًا إلى مزادات سندات الخزانة الأمريكية الأخيرة وسط ارتفاع مستويات العائد التي يطلبها المستثمرون لاستيعاب احتياجات واشنطن المتزايدة من الاقتراض.
تكشف هذه التطورات عن مفارقة؛ فبينما تضغط توقعات خفض أو تثبيت أسعار الفائدة على الدولار تدفع مخاطر التضخم والطاقة والعجز المالي عوائد السندات للارتفاع مما قد يوفر دعمًا مؤقتًا للعملة الأمريكية عبر زيادة جاذبية الأصول الدولارية.
وبالتالي يبقى اتجاه الدولار مرهونًا بالتوازن بين مسارين متعارضين: تراجع توقعات رفع الفائدة من جهة وتصاعد مخاطر التضخم والجغرافيا السياسية من جهة أخرى مع بقاء تطورات الصراع في الشرق الأوسط وأسعار النفط وموقف الاحتياطي الفيدرالي عوامل حاسمة لتحديد اتجاه الأسواق.

