لم يكن محمد المصطفى يتوقع أن تتحول زيارته المعتادة إلى الصيدلية لشراء علاج والدته المصابة بالروماتويد إلى صدمة جديدة؛ فقبل شهرين، كانت تكلفة العلاج الشهري تبلغ نحو 500 ألف جنيه (حوالي 80 دولارا)، وهو مبلغ كان يثقل ميزانية الأسرة، لكنه ظل في حدود الممكن. أما اليوم، فقد ارتفعت التكلفة إلى نحو 800 ألف جنيه (حوالي 130 دولارا).

يقول محمد للجزيرة نت إن الزيادة المفاجئة وضعت أمامه معادلة صعبة تتكرر يوميا لدى آلاف الأسر السودانية، تتمثل في كيفية توفير علاج لا يحتمل التأجيل، في وقت تتصاعد فيه الضغوط المعيشية وتتراجع القدرة الشرائية.

لا تبدو حالة محمد استثنائية، بل تعكس واقعا يعيشه كثير من مرضى الأمراض المزمنة في السودان، مع استمرار تراجع قيمة الجنيه أمام العملات الأجنبية وارتفاع تكلفة استيراد الأدوية. الأمر الذي أدى إلى زيادات متلاحقة في أسعارها، وحول رحلة البحث عن العلاج إلى عبء اقتصادي يثقل كاهل المرضى والصيدليات على حد سواء.

وخلال الأسابيع الأخيرة، شهدت أسعار عدد من الأدوية زيادات تراوحت بين 30% و35%، شملت علاجات أمراض القلب والروماتويد والأمراض النفسية.

تأتي هذه الزيادات في وقت لا تزال فيه الأسر السودانية تواجه تداعيات الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع وتدهور الأوضاع الاقتصادية، وسط ارتفاع معدلات الفقر وتراجع القدرة على تحمل تكاليف العلاج.

وزادت الحرب من تعقيد أزمة الدواء بعد أن تعرضت مصانع الأدوية لأضرار كبيرة أدت إلى توقف معظمها عن الإنتاج.

تشير تقديرات قطاع الصناعات الدوائية إلى أن نحو 8 مصانع فقط عادت للعمل من أصل 30 مصنعا توقفت بسبب الحرب في العاصمة الخرطوم، مما عمق اعتماد السوق على الأدوية المستوردة في وقت يشهد فيه سعر الصرف تقلبات حادة.

لا يقتصر أثر ارتفاع الأسعار على المرضى وحدهم، بل يمتد إلى الصيدليات التي تجد نفسها أمام تغيرات متلاحقة في أسعار الأدوية. يقول الطبيب حسام معاذ، صاحب صيدلية خاصة، إن المرضى يلاحظون فروقا واضحة في أسعار الدواء عند تكرار الشراء حتى خلال فترات قصيرة بسبب استمرار تحديث الأسعار من قبل الشركات الموردة.

ويضيف معاذ للجزيرة نت أن أصحاب الصيدليات الذين لا يواكبون هذه التغييرات قد يتعرضون لخسائر عند إعادة شراء الأصناف. مشيرا إلى أن بعض الشركات تضطر أحيانا إلى إيقاف البيع مؤقتا لحين استقرار الأسعار أو تحديثها.

كما أشار إلى وجود تفاوت في أسعار بعض الأدوية بين الصيدليات بحسب توقيت شراء المخزون. مؤكدا أن أصحاب الأمراض المزمنة، ولا سيما محدودي الدخل هم الأكثر تضررا من هذه الزيادات لارتباط علاجهم بجرعات منتظمة لا يمكن الاستغناء عنها.

وتؤكد شركات استيراد الأدوية أن تقلبات سوق الصرف أصبحت تمثل أكبر التحديات أمام استمرار الإمداد الدوائي.

يقول صاحب إحدى شركات استيراد الأدوية الذي طلب عدم نشر اسمه إن سعر شراء الدولار الأمريكي ارتفع بنحو 25% خلال الأسبوع الماضي، وهو ما انعكس مباشرة على تكلفة استيراد الأدوية.

ويضيف أنه بسبب استمرار تقلبات سعر الصرف اضطر بعض المستوردين إلى إيقاف عمليات البيع مؤقتا والاحتفاظ بمخزونهم لحين استقرار الأسعار تجنبا لتكبد خسائر إضافية.

وحذر صاحب شركة الأدوية من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى نقص بعض الأصناف الدوائية في الأسواق إذا تعذر على الشركات تعويض مخزونها بالأسعار الجديدة.

في المقابل، أكد مدير الدواء الدائري حافظ أحمد أن الإمداد الدوائي يلتزم بقائمة الأدوية الأساسية التي تعتمدها وزارة الصحة والبالغ عددها نحو 600 صنف مع التركيز على نحو 100 صنف من أدوية الطوارئ والأدوية المنقذة للحياة. مشيرا إلى وجود وفرة في المخزون الدوائي داخل صيدليات الدواء الدائري.

وفيما يتعلق بالأسعار أوضح أحمد للجزيرة نت أن عملية التسعير تتم بواسطة المجلس القومي للأدوية والسموم وفق الآليات المعتمدة واحتساب هامش ربح يقدر بنحو 20% على سعر الدواء من الشركة المصنعة.

لكن المتحدث باسم تجمع الصيادلة المهنيين صالح جعفر يرى أن الزيادات الأخيرة في أسعار الأدوية تمثل “إعلان حرب” على المرضى في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة. إذ تضطر كثير من الأسر إلى التضحية باحتياجات أساسية أخرى لتوفير تكلفة العلاج باعتباره أولوية لا يمكن تأجيلها.

ويحذر جعفر في مقابلة مع الجزيرة نت من أن عدم قدرة بعض المرضى على شراء العلاج يدفعهم إلى ممارسات غير آمنة مثل عدم الانتظام في الجرعات أو اللجوء إلى العلاجات التقليدية مما قد يؤدي لمضاعفات صحية ويزيد من تدهور حالتهم المرضية.

ويرى جعفر أن الأزمة لا ترتبط بارتفاع سعر الدولار وحده وإنما أيضا بالسياسات الصحية. معتبرا أنه كان ينبغي وضع المرضى في مقدمة الأولويات للتخفيف من آثار الأزمة.

ويضيف أن استمرار الأوضاع الحالية سيؤدي لتفاقم المعاناة الصحية مجددا الدعوة لتوفير دواء آمن وفعال وبأسعار تتناسب مع الظروف المعيشية للمواطنين.

بين تأكيدات الجهات الرسمية باستقرار الإمداد الدوائي وشكاوى المرضى والصيادلة من الارتفاع المتواصل للأسعار تبقى تكلفة العلاج واحدة من أكبر التحديات التي تواجه الأسر السودانية. وفي ظل استمرار تقلبات سعر الصرف يبقى السؤال مطروحا حول قدرة النظام الصحي والسياسات الاقتصادية على ضمان وصول الدواء لمن يحتاجه قبل أن تتحول كلفته لحاجز يحرم آلاف المرضى من حقهم في العلاج.