أعلنت كيكو فوجيموري، زعيمة حزب “القوة الشعبية” اليميني المتطرف وابنة الرئيس السابق ألبرتو فوجيموري، فوزها بمنصب الرئاسة في بيرو، بعد فرز 99.66% من الأصوات التى منحتها تقدماً ضئيلاً للغاية بلغ 41.860 صوتاً فقط على منافسها اليسارى روبرتو سانشيز.

 

الرئيسة التاسعة لبيرو فى خلال 10 سنوات فقط

وأشارت صحيفة أولا نيوز إلى أن هذا الفوز، الذي يجعلها الرئيسة التاسعة لبيرو في عقد واحد فقط، وُلد ملوثاً بموجة من الاتهامات بالتزوير وإجراءات غير قانونية، حيث أبلغ مراقبون عن مراكز اقتراع لم تفتح أبوابها في أحياء العمال، وصناديق اقتراع متروكة في الشوارع، واستقالة قسرية لرئيس هيئة العمليات الانتخابية الوطنية، مما يضع علامات استفهام كبيرة حول شرعية هذه النتيجة.

 

احتجاجات شعبية واتهامات بتدخل أمريكى

لم تهدأ الأوضاع في بيرو، بل على العكس، انفجرت احتجاجات شعبية غاضبة في العاصمة ليما ومدن مثل بونو وخولياكا، حيث خرج الآلاف للتنديد بما وصفوه بـ”التدخل الأجنبي” لصالح فوجيموري. وفي 19 يونيو، قاد سانشيز مسيرة لأنصاره في ليما، لكن الشرطة حالت دون وصولهم إلى ساحة سان مارتن، معلناً “ثلاثة أسابيع من النضال المراقب” ضد ما يعتبره سرقة للانتخابات.

ويأتي هذا في وقت تتهم فيه أصوات معارضة واشنطن بالوقوف خلف كيكو، وخاصة بعد تصريحات السفير الأمريكى  بيرني نافارو، الذي أعلن قبل الانتخابات أنه سيقود فريق “مراقبين” أمريكيين ، وبعد التصويت قال إن السفارة “تراقب العملية الانتخابية” في مخالفة صريحة للقوانين البيروفية التي لا تمنح السفارات الأجنبية أي صلاحية في الشأن الانتخابي.

 

ميناء تشانكاى وصراع النفوذ

في قلب التدخل الأمريكى يقف ميناء تشانكاي العملاق، الذي دشنته شركة كوسكو الصينية في نوفمبر 2025، ليحول بيرو إلى مركز لوجستي يربط أمريكا الجنوبية بآسيا، مهدداً بذلك الهيمنة الأميركية على طرق التجارة في المنطقة. وردت إدارة ترامب بتخصيص 1.5 مليار دولار من البنتاغون لنقل القاعدة البحرية البيروفية إلى شمال الميناء، وطلبت تصنيف بيرو كـ”حليف رئيسي خارج الناتو”، ونشرت أكثر من 1.200 جندي أمريكى  على الأراضي البيروفية، في تصعيد عسكري غير مسبوق.

 

حملة منظمة ضد اليسار

لعبت وسائل الإعلام المحلية، وخاصة الصحف المملوكة لعائلة ميرو كيسادا الأرستقراطية، دوراً محورياً في تشويه صورة سانشيز، حيث وصفت حملته بأنها “شيوعية” وهددت بتحويل بيرو إلى “فنزويلا أخرى” إذا فاز، وفي الوقت نفسه، استخدمت حملة فوجيموري آليات مالية مثيرة للجدل، من بينها حملات تبرع وهمية عبر منظمات خيرية، ما أوصلها إلى قفص الاتهام بتهم غسل أموال عبر قضية “لوس كوكتيليس”، والتي كانت تواجه فيها عقوبة تصل إلى 30 عاماً سجن، لكن يبدو أن الرئاسة ستكون بطاقة خروج من السجن.

 

إرث الديكتاتور يعود

كيكو فوجيموري ليست غريبة عن المشهد السياسي. فهي الابنة البكر لألبرتو فوجيموري، الديكتاتور الذي فرض دستور 1993 بعد “انقلاب ذاتي” في 1992، وأدين بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وحكم عليه بـ25 عاماً سجن، لكنه توفي في المستشفى قبل أن يكمل عقوبته. وهذا الدستور هو الذي فتح موارد بيرو الطبيعية أمام الشركات متعددة الجنسيات دون قيود، وفكك حماية العمال.

 

وفي 2021، صاغت كيكو مصطلحها الشهير “الديموقراطية القاسية” (مزج بين كلمتي ديمقراطية وقاسية)، وهو ما يعني حكماً بيد من حديد، ووعدت خلال حملتها بتعزيز قدرات الشرطة الاستخباراتية، وتنسيق العمل مع القوات المسلحة، ومعاقبة المبتزين بالإعدام المدني، مع إبقاء القوانين التي تحمي المافيا والسياسيين الفاسدين سليمة.

 

أزمة اجتماعية خانقة تنتظر فوجيموري

تستلم فوجيموري مقاليد الحكم في بلد يعاني من أزمة اجتماعية غير مسبوقة، حيث يعمل 48% من السكان في مشاريع صغيرة ومتناهية الصغر، يعيش 80% منهم في الاقتصاد غير الرسمي بمتوسط دخل شهري 858 سولاً فقط (253 دولاراً)، بينما تبلغ قيمة سلة الغذاء الأساسية لعائلة من 4 أفراد 1848 سولاً (546 دولاراً). ويعيش نحو 9 ملايين بيروفي في الفقر، و1.6 مليون في فقر مدقع.

كما أن جيلاً كاملاً من الشباب بين 16 و29 عاماً أصبح ضمن فئة “لا يعمل ولا يدرس”، وهو ما جعلهم فريسة لعصابات الابتزاز المنظمة التي تسيطر اليوم على أحياء كاملة في ليما وكاياو وتروخيو، في مشهد يذكرنا بأن الوعود الأمنية للتيار اليميني لن تكون سوى غطاء لقمع أوسع للعمال والفلاحين والطلاب والعاملين في الصحة.