كتب: إبراهيم علي.

الإثنين 13 يوليو 2026 10:07 م.

كما تقول المقولة الشهيرة في كرة القدم: “الهجوم يجلب لك الفوز بالمباريات، أما الدفاع فيجلب لك البطولات”.. وقد تخضع هذه الحكمة لاختبار حقيقي مساء الثلاثاء، عندما يلتقي منتخبا فرنسا وإسبانيا في نصف النهائي الأول لبطولة كأس العالم 2026.

وصل المنتخبان إلى المربع الذهبي عبر طريقين مختلفين نسبيًا، فقد بنت إسبانيا نجاحها على صلابة دفاعية لافتة، في حين اعتمدت فرنسا على القوة الهجومية الكبيرة التي تضم نخبة من أبرز نجوم العالم.

وقبل المواجهة المرتقبة التي يحتضنها ملعب دالاس، تبدو الأنظار متجهة إلى صدام كروي مثير، عندما تواجه قوة هجومية لا تُقاوم دفاعًا يبدو عصيًا على الاختراق.

سور الصين العظيم… بنكهة إسبانية.

لم يكن الدفاع يومًا السمة الأولى التي تتبادر إلى أذهان جماهير كرة القدم عند الحديث عن المنتخب الإسباني، لكن كتيبة المدرب لويس دي لا فوينتي نجحت في إضافة هذا السلاح إلى هويتها، بل وجعلته أحد أبرز أسباب نجاحها في الفترة الأخيرة.

ورغم حفاظ إسبانيا على أسلوبها المعتاد القائم على الاستحواذ وتبادل التمريرات، حيث بلغ متوسط تمريراتها 598 تمريرة في المباراة الواحدة خلال كأس العالم 2026 (ثاني أعلى معدل بعد الأرجنتين)، كما استحوذت على الكرة بنسبة 66% في المتوسط، وهي الأعلى بين جميع المنتخبات، فإنها تميزت أيضًا بصلابة دفاعية استثنائية حدّت من فرص المنافسين إلى أدنى مستوى.

فبعد خوض ست مباريات، لم يسمح المنتخب الإسباني سوى بـ7 تسديدات فقط على المرمى، بمعدل 1.17 تسديدة على المرمى في المباراة، وهو أفضل معدل دفاعي يُسجل لأي منتخب في تاريخ كأس العالم منذ بدء توثيق هذه الإحصائية عام 1966.

ولم يقتصر تميز إسبانيا على تقليل عدد التسديدات التي تصل إلى مرماها، بل برعت أيضًا في الحد من جودة الفرص التي يصنعها المنافسون، وهو ما تعكسه أرقام الأهداف المتوقعة (xG).

فقد استقبل المنتخب الإسباني 0.31 هدفًا متوقعًا فقط في المباراة الواحدة خلال كأس العالم 2026، وهو رقم لم يسبقه إليه منذ عام 1966 سوى منتخب أوروجواي في مونديال 1990 بالمعدل نفسه. كما بلغ متوسط قيمة الأهداف المتوقعة لكل تسديدة استقبلها المنتخب الإسباني 0.05 فقط، وهو أقل معدل بين جميع منتخبات مونديال 2026، ومعادل لأفضل رقم في تاريخ البطولة منذ بدء تسجيل هذه الإحصائية.

ورغم أن المنظومة الدفاعية تعتمد على العمل الجماعي، فإن عددًا من اللاعبين برزوا بشكل لافت في أداء الأدوار الدفاعية.

ويتقدمهم المدافع إيمريك لابورت الذي قاد الخط الخلفي بثبات بعدما سجل 11 اعتراضًا للكرة، ولا يتفوق عليه في البطولة سوى الفرنسي دايوت أوباميكانو بـ12 اعتراضًا.

كما قدم الحارس أوناي سيمون مستويات مميزة في التعامل مع الكرات خلف خط الدفاع الذي يتقدم عادة إلى منتصف الملعب مع اعتماد إسبانيا على الضغط العالي. وحاول سيمون الخروج لقطع الكرات خلف الدفاع 6 مرات، ولا يتفوق عليه في هذا الجانب سوى ثلاثة حراس مرمى فقط.

أما قائد المنتخب رودري فقد واصل التألق منذ عودته من إصابة الرباط الصليبي الأمامي إذ نفذ 18 تدخلًا ناجحًا ولا يتفوق عليه سوى ثلاثة لاعبين في البطولة. كما استعاد الاستحواذ على الكرة 32 مرة وهو رقم لا يفوقه فيه سوى أربعة لاعبين فقط.

وحافظ المدرب لويس دي لا فوينتي على قدر كبير من الاستقرار في خط الدفاع طوال البطولة إذ بدأ كل من أوناي سيمون وإيمريك لابورت وباو كوبارسي ومارك كوكوريا جميع مباريات إسبانيا كأساسيين وهو انسجام انعكس بوضوح على قوة المنظومة الدفاعية وتماسكها.

لكن هذا الخط الخلفي رغم صلابته يبدو على موعد مع أصعب اختبار له حتى الآن في كأس العالم 2026 عندما يصطدم بالقوة الهجومية الهائلة التي يمتلكها المنتخب الفرنسي في نصف النهائي.

ترسانة فرنسا الهجومية

على الورق بدا الخط الأمامي لمنتخب فرنسا قبل انطلاق كأس العالم 2026 أشبه بـ”ترسانة هجومية” يصعب إيقافها لكن كرة القدم كثيرًا ما تثبت أن الأسماء الكبيرة لا تضمن النجاح دائمًا.

إلا أن الأمر سار هذه المرة كما كان متوقعًا بل ربما بصورة أفضل فقد قدم هجوم الديوك مستويات استثنائية وترجم وفرة النجوم إلى أرقام مميزة بعدما سجل المنتخب الفرنسي 16 هدفًا في ست مباريات فقط ليؤكد امتلاكه أحد أقوى الخطوط الهجومية في البطولة.

وتعكس الأرقام الهجومية لفرنسا مدى التفوق الذي فرضه المنتخب في النسخة الحالية من كأس العالم إذ وصلت إلى مستويات استثنائية.

فقد سدد منتخب فرنسا 47 كرة بين القائمين والعارضة خلال مونديال 2026 وهو أعلى رقم يحققه في نسخة واحدة من كأس العالم منذ نسخة 1998 عندما سجل 53 تسديدة على المرمى في طريقه للتتويج باللقب. كما يبلغ متوسطه 7.8 تسديدة على المرمى في المباراة الواحدة وهو الأعلى لأي منتخب في تاريخ البطولة منذ عام 1966.

ولا يقتصر التفوق على عدد الفرص بل يمتد إلى جودتها أيضًا إذ يتصدر منتخب المدرب ديدييه ديشامب جميع المنتخبات بمعدل الأهداف المتوقعة (xG) بإجمالي 14.3 هدفًا متوقعًا متفوقًا بفارق لا يقل عن 1.6 على أقرب ملاحقيه منتخب الأرجنتين.

ولا تبدو هذه الأرقام مفاجئةً نظرًا للجودة الهائلة التي يزخر بها الخط الأمامي الفرنسي.

ويقود الهجوم النجم كيليان مبابي الذي يواصل تقديم بطولة استثنائية بعدما سجل 8 أهداف لينافس ليونيل ميسي على جائزة هداف كأس العالم 2026. ولم يقتصر تأثير قائد فرنسا على التسجيل فقط بل صنع أيضًا 16 فرصة وهو رقم لا يتفوق عليه سوى ثلاثة لاعبين في البطولة بالإضافة إلى تقديمه ثلاث تمريرات حاسمة.

وشكل مبابي ثنائيًا هجوميًا مرعبًا مع حامل الكرة الذهبية الحالي عثمان ديمبيلي إذ صنع اللاعبان معاً19 فرصة لبعضهما البعض خلال البطولة (10 تمريرات من مبابي إلى ديمبيلي و9 بالعكس). ولم يسبق منذ عام1966 سوى ثلاثة ثنائيات أن صنعت أكثر من20 فرصة متبادلةًفي نسخة واحدة من كأس العالم.

أما ديمبيلي فقد تألق هو الآخرعلى المستوى الفردي بعدما سجل خمسة أهداف وقدم تمريرتين حاسمتين خلال ست مباريات.