رغم أن الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) يرفع دائمًا شعار “إبعاد السياسة عن الرياضة”، فإن بطولات كأس العالم شهدت على مدار السنوات الماضية العديد من الوقائع التي اختلطت فيها كرة القدم بالنزاعات السياسية والتاريخية. بين لافتات تتعلق بأراضٍ متنازع عليها، وإشارات مرتبطة بصراعات قومية، وشعارات أثارت أزمات دبلوماسية بين دول، وجد الفيفا نفسه أكثر من مرة أمام تحدي تطبيق قواعد الحياد داخل أكبر حدث رياضي في العالم.

أعاد التحقيق الذي فتحه الاتحاد الدولي لكرة القدم بشأن لافتة “مالفيناس أرجنتينية” التي رفعها لاعبو الأرجنتين بعد الفوز على إنجلترا في نصف نهائي كأس العالم 2026 إلى الواجهة تاريخًا طويلًا من الأزمات السياسية التي شهدتها البطولة العالمية. فالقضية الحالية ليست الأولى من نوعها، بل تأتي ضمن سلسلة من الوقائع التي وضعت الفيفا أمام معضلة الفصل بين الرياضة والسياسة، وفقًا لقناة سير الإسبانية.

ومن أبرز هذه السوابق ما حدث عام 2014 عندما رفع لاعبو المنتخب الأرجنتيني لافتة تحمل العبارة نفسها “مالفيناس أرجنتينية” قبل مباراة ودية استعدادًا لكأس العالم في البرازيل. واعتبرت الفيفا أن الرسالة تحمل مضمونًا سياسيًا مرتبطًا بالنزاع بين الأرجنتين وبريطانيا حول جزر فوكلاند (مالفيناس)، لتفرض لاحقًا غرامة مالية على الاتحاد الأرجنتيني، وفقًا لصحيفة سكاي.

وفي مونديال روسيا 2018 اندلعت أزمة أخرى خلال مباراة سويسرا وصربيا، عندما احتفل اللاعبان جرانيت تشاكا وشيردان شاكيري بتسجيل الأهداف عبر إشارة “النسر الألباني المزدوج”، وهي حركة مرتبطة بالهوية القومية الألبانية وقضية كوسوفو. اعتبرت صربيا الاحتفال استفزازًا سياسيًا، بينما فتحت الفيفا تحقيقًا انتهى بفرض غرامات مالية على اللاعبين دون إيقافهما.

أما في كأس العالم 2022 بقطر، فقد واجه الاتحاد الصربي لكرة القدم عقوبات بعد ظهور علم داخل غرفة الملابس يتضمن خريطة لكوسوفو باعتبارها جزءًا من صربيا وشعار “لا استسلام”. وأثارت الواقعة احتجاجات رسمية من كوسوفو، قبل أن تفرض الفيفا غرامة مالية على الاتحاد الصربي بسبب استخدام رسالة سياسية خلال البطولة.

وشهدت البطولة نفسها جدلًا واسعًا حول شارة “OneLove” التي أرادت عدة منتخبات أوروبية ارتداءها دعمًا لقضايا التنوع وحقوق الإنسان، قبل أن تتراجع بعد تهديدات بعقوبات رياضية من الفيفا. وأصبح الملف أحد أكثر القضايا السياسية إثارة للنقاش في تاريخ كأس العالم الحديث.

وتؤكد هذه الوقائع أن كأس العالم، رغم طابعه الرياضي، ظل مرارًا ساحة تنعكس عليها الخلافات التاريخية والقومية بين الدول والشعوب. وبينما تتمسك الفيفا بمبدأ الحياد السياسي، تكشف الأزمات المتكررة أن الفصل الكامل بين الرياضة والسياسة يبقى مهمة معقدة، خاصة عندما يتعلق الأمر بقضايا ترتبط بالهوية الوطنية أو النزاعات السيادية التي تمتد لعقود طويلة.