قبل أن يُعتبر ليونيل ميسي أعظم لاعب في تاريخ الأرجنتين بالنسبة للكثيرين، وقبل أن يقود منتخب بلاده إلى لقب كأس العالم، كانت مسيرته الدولية قاب قوسين أو أدنى من اتخاذ اتجاه مختلف تمامًا نحو تمثيل إسبانيا.

يكشف الفيلم الوثائقي الجديد «Messi: The Forgotten Tape»، الذي تعرضه منصة «ديزني+»، عن تفاصيل غير معروفة من بدايات ميسي، حيث اضطر الاتحاد الأرجنتيني إلى التحرك سريعًا لتأمين ولاء اللاعب بعدما أدرك أن الاتحاد الإسباني كان يراقب موهبة المراهق الذي يعيش في أكاديمية برشلونة، وكان لديه فرصة قانونية لضمه.

تبدأ القصة في عام 2003، خلال بطولة كأس العالم للناشئين، حين خسر المنتخب الأرجنتيني تحت 17 عامًا أمام إسبانيا في نصف النهائي رغم تقدمه بهدفين. بعد المباراة، اقترب أحد الطهاة من بعثة المنتخب الإسباني، والذي كان يعمل أيضًا مع برشلونة، من مدرب الأرجنتين هوغو توكالي، وأخبره: «لو أحضرت الفتى الموجود في برشلونة، لكنتم أبطال العالم».

يستعيد توكالي تلك اللحظة قائلاً إنه شعر وكأن الكلمات كانت بمثابة طعنة. فسأل الطاهي إن كان يقصد ميسي، ليأتيه الرد: «إذا كنت تعرفه، فلماذا لم تستدعه؟».

كانت تلك الجملة كافية لإطلاق سباق داخل الاتحاد الأرجنتيني بعدما أدرك مسؤولوه أنهم قد يخسرون أحد أبرز المواهب الصاعدة في العالم.

انتقل ميسي إلى برشلونة عام 2000 وهو في الثالثة عشرة من عمره، وبقي بعيدًا عن أنظار مسؤولي المنتخبات العمرية في الأرجنتين. بينما كان الاتحاد الإسباني يتابع تطوره عن كثب إذ لعب إلى جانب جيل ضم سيسك فابريغاس وجيرارد بيكيه وغيرهما من نجوم أكاديمية «لا ماسيا».

وبحسب ما نقلته صحيفة «التلغراف» البريطانية، فقد كشف أليكس غارسيا، أحد مدربي أكاديمية برشلونة آنذاك، أنه سأل ميسي مباشرة إن كان يرغب في اللعب لإسبانيا حتى لا يبقى وحيدًا في النادي خلال فترات التوقف الدولي عندما يغادر زملاؤه للمشاركة مع منتخباتهم.

أما جينيس ميلينديز، مدرب منتخبات الناشئين في إسبانيا آنذاك، فقال إنه كان يتخيل ميسي ضمن ذلك الجيل معتبرًا أن المنتخب الإسباني سيكون «لا يُقهر» بوجوده.

رغم تمسك ميسي بفكرة تمثيل الأرجنتين، لم يكن لدى الاتحاد الأرجنتيني أي ضمانات رسمية. لذا بدأ رحلة البحث عنه بعد وصول شريط فيديو يضم أبرز لقطاته مع برشلونة إلى المدرب مارسيلو بيلسا ومساعده كلاوديو فيفاس.

يروي فيفاس أن بيلسا طلب إعادة تشغيل الشريط لأنه ظن في البداية أن اللقطات تُعرض بسرعة أكبر من الواقع قبل أن يعلق قائلاً: «هذا الفتى مذهل».

كلّف الاتحاد الأرجنتيني مسؤول قطاع المنتخبات السنية عمر سوتو بالعثور على عائلة اللاعب. ووفقًا لـ«الوثائقي»، اضطر سوتو للبحث في دليل هواتف مدينة روساريو والاتصال بكل من يحمل اسم «ميسي»، حتى وصل إلى جدته ومن ثم إلى والده خورخي المقيم في برشلونة.

في عجلة من أمره، أرسل الاتحاد أول استدعاء رسمي إلى برشلونة لكنه حمل خطأً في الاسم إذ كُتب «ليونيل ميتشي» بدلاً من «ليونيل ميسي».

في صيف 2004 عاد ميسي البالغ حينها 17 عامًا إلى الأرجنتين لأول مرة لتمثيل منتخب الشباب حيث نظم الاتحاد مباراتين وديتين أمام باراغواي وأوروغواي بصيغة رسمية معترف بها من قبل الاتحاد الدولي لكرة القدم بهدف تثبيت أهلية اللاعب الدولية وفق لوائح «فيفا».

شارك ميسي كبديل مع بداية الشوط الثاني وسجل هدفًا خلال الفوز الكبير 7-0 بعدما انطلق من منتصف الملعب وتجاوز المدافعين والحارس قبل أن يودع الكرة في الشباك. اعتبرت تلك اللقطة بمثابة الإعلان الحقيقي عن بداية رحلة أسطورة ستغير تاريخ الكرة الأرجنتينية.

بعد عام واحد فقط، منح المدرب خوسيه بيكرمان ميسي ظهوره الأول مع المنتخب الأول وهو في الثامنة عشرة قبل أن يصبح قائد الأرجنتين ورمزها البارز ويقودها إلى ألقاب كوبا أميركا 2021 و2024 وكأس العالم 2022. وبذلك أغلق فصلاً كاد ينتهي بقميص إسبانيا لولا كلمات عابرة قالها طاهٍ بعد مباراة للناشئين.

بعد أكثر من عشرين عامًا تبدو تلك التفاصيل الصغيرة أكثر أهمية من أي وقت مضى. فما بدأ بملاحظة عابرة من طاهٍ وشريط فيديو وبحث في دليل هواتف انتهى بصناعة أحد أعظم الفصول في تاريخ كرة القدم. واليوم بينما يستعد ميسي لمواجهة إسبانيا في نهائي كأس العالم تبدو تلك القصة تذكيرًا بأن مسار أسطورة بحجمه كان يمكن أن يتغير بالكامل لولا تحرك الأرجنتين باللحظة المناسبة.