لا يبدو أن الأرجنتين تسير في طريق سهل، ورغم افتقار دفاعها للإقناع في رحلة الدفاع عن لقب كأس العالم، إلا أن المشوار لا يزال مستمراً. وقد تحولت مدرجات ملعب كانساس سيتي إلى ما يشبه العاصمة الأرجنتينية بوينس آيرس، حيث بدت أجواء الاحتفال الصاخبة والهدف الرائع في تناقض واضح مع الأداء الباهت للفريق.
وربما لا يهم اللاعبين ذلك، ما دام أمامهم مواجهة ثأرية أمام إنجلترا في نصف النهائي، وما دام بإمكانهم الاستمتاع بهدف مذهل من خوليان ألفاريز الذي أطلق كرة صاروخية استقرت في الزاوية العليا لمرمى ملعب “أروهيد”.
وعندما بدا أن الأرجنتين تعتمد بصورة مفرطة على ليونيل ميسي، ظهر لاعب آخر ليقدم لحظة استثنائية من الجودة. ثم أضاف مهاجم أرجنتيني آخر، هو لاوتارو مارتينيز، الهدف الثالث في الدقيقة 121، ليمنح النتيجة بريقاً لا يعكس حقيقة مجريات المباراة.
ومع ذلك، فإن القصة كانت في الحقيقة قصة مهاجمين ولم يكن مارتينيز أحدهما. فقد سجل ألفاريز هدفه الأول المتأخر في هذه النسخة من كأس العالم، ليقود الأرجنتين إلى نصف النهائي للمرة الثانية توالياً. أما بريل إمبولو، فقد حرم سويسرا من بلوغ هذا الدور للمرة الأولى في تاريخها. فقد أدرك السويسريون التعادل وكانوا الطرف الأفضل قبل أن يؤدي طرده – بعد مراجعة حكم الفيديو المساعد بسبب ادعاء السقوط – إلى إجبارهم على التراجع للدفاع. وبدا أنهم في طريقهم لجر المباراة إلى ركلات الترجيح، في ظل عجز الأرجنتين عن إيجاد أي حلول لاختراقهم، حتى جاء تدخل ألفاريز الحاسم.
وهكذا تأهلت الأرجنتين مرة أخرى بطريقة أظهرت شخصيتها القتالية لكنها كشفت أيضاً عن عيوبها. فقد بدا طريقها في الأدوار الإقصائية أسهل على الورق – كاب فيردي ثم مصر ثم سويسرا – لكنها حولته إلى سلسلة من العقبات. وخاضت وقتاً إضافياً في مباراتين واستقبلت شباكها خمسة أهداف واقتربت من الخروج في كل مرحلة. لكنها تعرف كيف تنتصر في المباريات التي تحسم على الحافة.
وكان بوسع مدرب الأرجنتين ليونيل سكالوني الإشارة إلى تأثير تبديلاته هذه المرة. فالهدف الثالث جاء بمشاركة بديلين، بعدما تابع لاوتارو مارتينيز كرة تياغو ألمادا المرتدة من الحارس وأسكنها الشباك.
وقد أحدث ألمادا الفارق فور نزوله بعدما ارتطمت تسديدته من نحو 20 ياردة بالقائم. لكن الأرجنتين افتقدت للإبداع وغابت خطورتها تماماً على الأطراف.
وعندما خاض ميسي مباراة هادئة – رغم أنه خرج منها بصناعة هدف – بدا المنتخب الأرجنتيني محدوداً للغاية. وتوقفت سلسلة أهداف قائده عند تسع مباريات متتالية في كأس العالم وهو رقم قد لا يتكرر.
ولوقت طويل بدت الأرجنتين وكأنها فريق يعتمد على لاعب واحد، بينما لم يكن ذلك اللاعب في أفضل حالاته تلك الأمسية. واستعاد ميسي شيئاً من حضوره في الدقائق الأخيرة إذ أخفق في محاولة لعب الكرة من فوق حارس مرمى سويسرا غريغور كوبل ثم سدد كرة مرت بجوار القائم مع نهاية الوقت الأصلي قبل أن يطلق محاولتين خلال الوقت الإضافي. لكن معظم فترات المباراة شهدته يتجول داخل الملعب بينما كان منتخب بلاده يتوه بين الخطوط.
وفي الأقل أثبت ميسي أن مشكلته مع الكرات الثابتة تقتصر على ركلات الجزاء فقط. فللمباراة الثالثة توالياً سجلت الأرجنتين هدفاً من ركلة ركنية نفذها قائدها بعدما ارتقى أليكسيس ماك أليستر فوق جبريل سو وسجل برأسه. وبدا الهدف سهلاً أكثر مما ينبغي وربما كانت تلك الطريقة هي التي جعلت سويسرا تقع فريسة للثقة الزائدة.
ومنذ تلك اللحظة دافع السويسريون ببراعة ولم تسدد الأرجنتين كرتها التالية بين الخشبات الثلاث (القائمين والعارضة) إلا بالدقيقة 99 عبر ضربة مقصية من ليساندرو مارتينيز.
وبعد ذلك بدت سويسرا قريبة من تحويل أول ظهور لها في ربع النهائي منذ 72 عاماً إلى مسيرة أطول بالبطولة. فقد كانت واحدة من المنتخبات التي تقدمت بهدوء بعيداً عن الأضواء ولم تبد الأرجنتين مستعدة لعودة منافسها.
لكن الأمور تغيرت سريعاً بعدما اضطر إيميليانو مارتينيز للتصدي لرأسية دان ندوي ثم لتسديدة بعيدة المدى من غرانيت تشاكا خلال دقائق معدودة.
ثم انطلق جناح نوتنغهام فورست متجاوزاً ناهويل مولينا وأكمل تمريرة ثنائية مع ريكاردو رودريغيز قبل أن يسدد الكرة تحت مارتينيز إلى داخل الشباك واستحق ندوي هدفه بعدما كان أخطر لاعبي سويسرا هجومياً.
لكن ما إن عادل فريق المدرب مراد ياكين النتيجة حتى وجد نفسه يلعب بـ10 لاعبين. وربما كانت البطاقة الحمراء المثيرة للجدل بمثابة تحية مناسبة لأنطونيو راتين الذي توفي سابقًا يوم المباراة وكان قد تعرض للطرد أثناء خسارة الأرجنتين أمام إنجلترا في ويمبلي خلال نسخة 1966. وبعد ستة عقود، ربما يكون الجيل الحالي بصدد تقديم تكريم أكثر مواءمة لذكرى ذلك اللاعب الكبير.
وكانت مصر قد احتجّت على بعض القرارات التحكيمية التي صبت لمصلحة الأرجنتين بالدور السابق أما هذه المرة فقد كان القرار صحيحًا رغم أنه جاء بعد احتساب مخالفة لمصلحة سويسرا من الحكم جواو بينييرو.
وقد حصل إمبولو على بطاقة صفراء بالشوط الأول إثر تدخله على لياندرو باريديس وللحظات بدا أن لاعب الأرجنتين رد عليه بالمثل لكن مراجعة جديدة عبر تقنية حكم الفيديو المساعد أثبت عدم وجود أي احتكاك وأن إمبولو ادعى السقوط.
وبناءً عليه تم إلغاء البطاقة الصفراء التي وجهت لباريديس وطرد المهاجم السويسري وعلى الرغم من احتجاجات سويسرا أثبت التقنية فاعليتها وغادر إمبولو الملعب باكيًا بينما وجدت سويسرا نفسها مضطرة للصمود أملاً للوصول إلى ركلات الترجيح بعد غياب المصاب يوهان مانزامبي.
وقدمت محاولة بطولية خصوصًا أن مدرجات كانساس سيتي كانت تكتسي بالأبيض والأزرق وكأنها جيب أرجنتيني لكن مع غروب الشمس فوق قلب أميركا غربت أيضاً شمس مشوار سويسرا المميز بكأس العالم بينما تمكنت الأرجنتين التي اعتادت الإفلات من المواقف الصعبة بفضل ألفاريز الذي جنب الفريق ركلات الترجيح وربما أيضًا نهاية مسيرة ميسي بكأس العالم.

