كيف هزمت الأرجنتين إنجلترا قبل صافرة البداية؟
لم تنتظر الأرجنتين مواجهة إنجلترا في نصف نهائي كأس العالم 2026 لتكسب أولى جولاتها أمام منافستها التاريخية.
فقبل أن يلتقي المنتخبان على أرض الملعب غداً الأربعاء، نجح بطل العالم في الظفر بما يصفه كثيرون بأنه أفضل مركز تدريبي لكرة القدم في الولايات المتحدة، بعدما اختار “مركز كومباس مينيرالز الوطني للأداء” في مدينة كانساس سيتي مقراً لمعسكره طوال البطولة، تاركاً المنتخب الإنجليزي يبحث عن بديل أقل تطوراً.
ويقع المركز على مساحة تبلغ 52 فداناً، ويُعد المقر الرسمي لنادي سبورتينغ كانساس سيتي الأميركي، لكنه تحول خلال الأسابيع الماضية إلى قلعة مغلقة يعيش فيها ليونيل ميسي ورفاقه بعيداً عن الأعين، وسط إجراءات أمنية غير مسبوقة جعلت البعض يشبّهها بتلك المفروضة على البيت الأبيض.
تنتشر فوق أسطح مبنى المركز التدريبي وحدات متخصصة في رصد الطائرات المسيّرة (كومباس مينيرالز الوطني).
وبحسب صحيفة “التايمز” البريطانية، تنتشر فوق أسطح المبنى وحدات متخصصة في رصد الطائرات المسيّرة، بينما تحيط بالمكان عناصر من الشرطة الخاصة مدعومة بآليات مدرعة مقاومة للانفجارات. كما يخضع الصحافيون والمصورون لسلسلة من إجراءات التفتيش قبل السماح لهم بدخول المجمع، بعد نقلهم بحافلات من موقف سيارات يبعد أكثر من كيلومتر عن بوابة المركز. وحتى بعد الوصول، يمر الجميع عبر أكثر من نقطة تفتيش إلكترونية، بينما تفصل المتاريس والأكياس الرملية بين المبنى الرئيسي والزوار.
ولا تعود هذه الإجراءات إلى أهمية المنشأة فحسب، بل أيضاً إلى القيمة التسويقية والرياضية للاعبي المنتخب الأرجنتيني، وفي مقدمتهم ميسي الذي جذب مئات الصحافيين ووسائل الإعلام من مختلف أنحاء العالم. ففي إحدى الحصص التدريبية حضر نحو 500 إعلامي، لكنهم لم يتمكنوا من مشاهدة ما يجري داخل المبنى الرئيسي بسبب استخدام زجاج عازل للرؤية. كما غطى الاتحاد الأرجنتيني الأسوار المحيطة بالملاعب بقماش أسود يمنع حتى رجال الشرطة الواقفين خارج البوابات من رؤية التدريبات.
لكن قصة هذا المركز بدأت قبل انطلاق البطولة. فقد كشف فيتو بريفيتيرا، المهندس الذي صمم المجمع الرياضي، أن الاتحاد الإنجليزي كان يخطط لاختياره مقراً لمعسكر “الأسود الثلاثة”، إلا أن الأرجنتين امتلكت أفضلية الاختيار لأنها خاضت مباراتها الأولى في كانساس سيتي مما منحها أولوية حجز المنشأة. ويقول بريفيتيرا بوضوح: “لو لم تختر الأرجنتين هذا المركز، لكان المنتخب الإنجليزي هو من استخدمه”.
وبعد خسارة السباق، اضطر منتخب إنجلترا إلى الانتقال إلى مركز “سوب سوكر فيليدج” وهو المقر التدريبي القديم لسبورتينغ كانساس سيتي. ورغم تأكيد الاتحاد الإنجليزي أن اللاعبين وجدوا كل ما يحتاجونه هناك، فإن مسؤولي الاتحاد الأرجنتيني كانوا مقتنعين بأنهم حصلوا على الخيار الأفضل بفارق واضح.
إحدى الحصص التدريبية حضر نحو 500 إعلامي لكنهم لم يتمكنوا من مشاهدة ما يجري داخل المبنى الرئيسي (أ.ف.ب).
ويحمل المركز بصمة شركة “بوبولوس” العالمية التي صممت ملعب توتنهام الحديث واستاد لوسيل الذي استضاف نهائي مونديال قطر 2022. وعند افتتاحه عام 2018 لم يكن الهدف مجرد إنشاء ملاعب تدريب بل بناء بيئة متكاملة تجعل اللاعب ينتقل بانسيابية بين التدريب والاستشفاء والتحليل الفني والراحة مما جعل كثيرين يصنفونه أفضل مركز لكرة القدم في الولايات المتحدة.
وبينما يستعد المنتخبان لخوض واحدة من أكبر مباريات البطولة تبدو الأرجنتين وقد ربحت بالفعل معركة أخرى بعيداً عن المستطيل الأخضر بعدما ضمنت لنفسها أفضل ظروف الإعداد الممكنة طوال كأس العالم لتبدأ رحلتها نحو الدفاع عن اللقب بخطوة سبقت حتى صافرة البداية.
وإذا كانت الأرجنتين قد ربحت معركة اختيار مقر الإقامة فإن ما يوجد داخل “مركز كومباس مينيرالز الوطني للأداء” يوضح سبب تمسكها به حتى نهاية البطولة.
فالمنشأة صُممت لتكون أكثر من مجرد ملاعب تدريب إذ تقوم فكرتها على توفير كل ما يحتاجه اللاعب في مكان واحد منذ لحظة وصوله صباحاً وحتى مغادرته بما يضمن أعلى مستويات الأداء والاستشفاء.
توخيل خلال تدريبات منتخب إنجلترا (أ.ف.ب).
ويؤكد المهندس فيتو بريفيتيرا الذي أشرف على تصميم المركز بعد جولات ميدانية في منشآت أندية الدوري الإيطالي وبوروسيا دورتموند إضافة إلى فرق من دوري كرة القدم الأميركية أن المشروع بُني وفق مفهوم “تدفق اللاعب” بحيث ينتقل اللاعب بسهولة بين التدريب والعلاج والاستراحة وقاعات التحليل الفني دون إهدار الوقت أو الطاقة. ويقول إن الهدف لم يكن إنشاء مبنى جميل بل بيئة تساعد اللاعبين والأجهزة الفنية على تحقيق أفضل أداء ممكن.
ويضم المركز ثلاثة ملاعب تدريب بالحجم الكامل لكنها صُممت لتبدو وكأنها ملعب واحد متصل باستخدام النوع نفسه من العشب والأبعاد المعتمدة في ملاعب كأس العالم. وتُراقب الحصص التدريبية بكاميرات مثبتة على سطح المبنى فيما يستخدم المنتخب الأرجنتيني طائرة مسيّرة خاصة هي الوحيدة المصرح لها بالتحليق في الأجواء المحيطة إلى جانب كاميرات أخرى تنقل اللقطات مباشرة إلى غرفة تحليل الفيديو حيث يراجع ليونيل سكالوني وجهازه الفني أدق التفاصيل التكتيكية عقب كل تدريب.
مركز “سوب سوكر فيليدج” هو المقر التدريبي القديم لسبورتينغ كانساس سيتي (أ.ف.ب).
ولا تنتهي رحلة اللاعب بخروج الكرة من الملعب. فداخل المبنى توجد صالة لياقة بدنية تبلغ مساحتها نحو تسعة آلاف قدم مربعة وكانت عند افتتاحها الأكبر من نوعها في الدوري الأميركي لكرة القدم بينما يعتمد اللاعبون على مسبحين مخصصين للعلاج المائي والاستشفاء. ويتميز أحدهما بأرضية هيدروليكية متحركة ترتفع حتى مستوى الأرض مما يسمح للاعبين المصابين بدخول الماء والخروج منه بسهولة وهي ميزة استفاد منها المنتخب الأرجنتيني في ظل وصول عدد من لاعبيه إلى البطولة وهم يعانون إصابات مختلفة.
يقع المركز على مساحة تبلغ 52 فداناً (رويترز).
كما يضم المركز غرفة خاصة لمحاكاة المرتفعات يستطيع الجهاز الفني التحكم فيها بنسب الأكسجين لإعداد اللاعبين لخوض المباريات التي تقام في مدن مرتفعة مثل العاصمة المكسيكية قبل أن ينتقل اللاعبون إلى غرف الضغط العالي التي تسمح لهم باستنشاق أكسجين نقي بنسبة 100% إضافة إلى كراسي مخصصة للتدليك والاسترخاء ضمن منظومة متكاملة هدفها تسريع التعافي بين المباريات.
منتخب إنجلترا اضطر إلى الانتقال إلى مركز “سوب سوكر فيليدج” (أ.ف.ب).
ولم يغفل الاتحاد الأرجنتيني الجانب النفسي خلال الإقامة الطويلة في الولايات المتحدة فقد سبق طهاة المنتخب البعثة إلى كانساس سيتي لتجهيز المطبخ بالمنتجات والأطعمة الأرجنتينية ليشعر اللاعبون بأنهم يعيشون أجواء بلادهم رغم ابتعادهم آلاف الكيلومترات عنها. كما جهزت غرف الملابس بألوان وشعارات المنتخب وأصبح المكان أقرب إلى منزل دائم منه إلى معسكر مؤقت وحتى حفلات الشواء التقليدية “أسادو” التي تمثل جزءاً من الثقافة الأرجنتينية كان بالإمكان إقامتها داخل المركز بفضل تجهيز مطبخ احترافي ومدخنة خاصة بالشواء رغم أن معظم التجمعات أقيمت في فندق إقامة المنتخب وسط مدينة كانساس سيتي.
يستخدم المنتخب الأرجنتيني طائرة مسيّرة خاصة هي الوحيدة المصرح لها بالتحليق في الأجواء المحيطة (أ.ف.ب).
وبين هذه التفاصيل الصغيرة والكبيرة يتضح أن رحلة الأرجنتين نحو نصف النهائي لم تعتمد فقط على موهبة ميسي ورفاقه بل أيضاً على منظومة متكاملة وفرت للمنتخب أفضل ظروف العمل والراحة والاستشفاء.
وعندما يلتقي حامل اللقب مع إنجلترا الأربعاء ستكون المنافسة على أرض الملعب متكافئة لكن خارج الخطوط يبدو أن الأرجنتين نجحت منذ اليوم الأول في بناء أفضل بيئة ممكنة لحماية حلمها بالاحتفاظ بكأس العالم.

